وهرب وأسرع جذيمة في طلبه ، فلم يجده ، وقال بعضهم : بل قتله ، وبعث إليها يقول :
حَدّثيني رَقَاشِ لا تكذبيني
أبحرٍّ زنيت أم بهجين ؟
أم بعبدٍ فأنت أهل لعبد
أم بدون فأنت أهل لدون ؟
فأجابته رقاش تقول :
أنْت زَوّجتنِي وما كنت أدري
وأتاني النساءُ للتزيين
ذَاك من شُرْبِك المدامةَ صِرْفاً
وتماديكَ في الصبا والمُجُونِ
فنقلها جَذِيمة إليه ، وحصنها في قصره ، فاشتملت على حمل ، وولدت غلاماً فسمته عمراً ، ووشحته ، حتى إذا ترعرع حَلَّته وعطرته وألبسته كسوة فاخرة ، ثم أزارته خاله ، فأعجب به ، وألقيت عليه منه محبة ومودة حتى إذا خرج الملك في سنة مُكْلِئة قد أكمأت ، فبسط له في رَوْضَة ، وخرج عمرو في غلمة يجتنون الكمأة ، فكانوا إذا أصابوا كمأة طيبة أكلوها ، وإذا أصابها عمرو خَبَأها ، ثم أقبلوا يتعادون وعمرو يتقدمهم ، ويقول :
هذا جَنَايَ وخياره فيه
إذ كل جان يدُه إلى فيه
قصة نديمي جذيمة :
فالتزمه جذيمة وحباه ، ثم إن الجن استطارته ، فضرب له جذيمة في الآفاق زمانا ، فلم يسمع له بخبر فكف عنه ، إذ أقبل رجلان يقال لأحدهما : مالك ، وللآخر : عقيل ، ابنا فالج ، وهما يريدان الملك بهدية ، فنزلا على ماء ، ومعهما قَيْنة يقال لها أم عمرو ، فنصبت لهما قدراً ، وأصلحت لهما طعاماً ، فبينما هما يأكلان إذ أقبل رجل أشعث أغبر