مقاتل ، سوى الخدم والاتباع ، وعلى هذا يجب ان يكون مقدار القوم جميعاً من قاتل منهم ومن لم يقاتل من الخدم وغيرهم ثلاثمائة الف بل أكثر من ذلك ، لأن أقل من فيهم معه واحد يخدمه ، وفيهم من معه الخمسة والعشرة من الخدم والاتباع وأكثر من ذلك ، وأهل العراق كانوا في عشرين ومائة الف مقاتل دون الأتباع والخدم .
وأما الهيثم بن عدي الطائي وغيره مثل الشرقي بن القطامي وأبي مخنف لوط بن يحيى فذكروا ما قدمنا ، وهو أن جملة من قتل من الفريقين جميعاً سبعون الفاً : من أهل الشام خمسة وأربعون الفاً ، ومن أهل العراق خمسة وعشرون الفاً ، فيهم خمسة وعشرون بَدْريا ، وأن العدد كان يقع بالتقصي والإحصاء للقتلى في كل وقعة ، وتحصيل هذا يتفاوت ، لأن في قتلى الفريقين من يُعْرَف ومن لا يعرف ، وفيهم من غرق ، وفيهم من قتل في البر ، فأكلته السباع فلم يدركهم الإحصاء ، وغير ذلك مما يعتور ما وصفنا ، وسمعت امرأة بصفين من أهل العراق وقد قتل لها ثلاثة أولاد وهي تقول :
أعينيَّ جُودا بدمع سرِبْ
على فتية من خيار العرب
وما ضرهم غير حنّ النفوس
بأي امرئ من قريش غلب
بعد التحكيم :
ولما وقع التحكيم تباغض القوم جميعاً وأقْبَلَ بعضهم يتبرأ من بعض : يتبرأ الأخ من أخيه ، والابن من أبيه ، وأمر عليٌّ بالرحيل ، لعلمه باختلاف الكلمة ، وتفاوت الرأي ، وعدم النظام لأمورهم ، وما لحقه من الخلاف منهم ، وكثر التحكيم في جيش أهل العراق ، وتضارب القوم بالمقارع ونعال السيوف ، وتسابوا ، ولام كل فريق منهم الآخر في رأيه ، وسار علي يؤم الكوفة ، ولحق معاوية بدمشق من أرض الشام ، وفرق عساكره فلحق كل جند منهم ببلده .