الحكمين في موضع بين الكوفة والشام ، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين ، وقيل : بعد هذا الشهر منها ، ومرَّ الأشعث بالصحيفة يقرؤها على الناس فرحاً مسروراً حتى انتهى إلى مجلس لبني تميم ، فيه جماعة من زعمائهم ، منهم عروة ابن أذَية التميمي ، وهو أخو بلال الخارجي ، فقرأها عليهم ، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل ، وإن الأشعث كان بدء هذا الأمر والمانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ، وقال له عروة بن أذَية : أتحكمون في دين الله وأمرِه ونهيه الرجال ؟
لا حكم إلا لله ، فكان أول من قالها ، وحكم بها وقد تنوزع في ذلك ، وشد بسيفه عَلَى الأشعث فصم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث ، وكادت العصبية أن تقع بين النزارية واليمانية ، لولا اختلاف كلمتهم في الديانة والتحكيم ، وفي فعل عروة ابن أذية بالأشعث ، يقول رجل من بني تميم في أبيات :
عُرْو يا عرو كلُّ فتنة قوم
سلفت إنما تكون فَتِيَّه
ثم تَنْمِي ويعظم الخطب فيها
فاحذرنْ غِبَّ ما أتيت عُرَيَّه
أعَلَى الأشعث المعصب بالتا
ج حملتَ السلاح يا ابن أذيه
إنها فتنة كفتنة ذي العجل ،
أيا عروة العَصَا والعصيَّة
فانظر اليوم ما يقول عليّ
واتَّبِعه ، فذاك خيرُ البرية
عدة قتلى صفين :
وقد تنوزع في مقدار من قتل من أهل الشام والعراق بصفين ، فذكر أحمد بن الدورقي عن يحيى بن معين ان عدة من قتل بها من الفريقين في مائة يوم وعشرة أيام مائة الف وعشرة آلاف من الناس ، من أهل الشام تسعون الفاً ، ومن أهل العراق عشرون الفاً ، ونحن نذهب إلى أن عدد من حضر الحرب من أهل الشام بصفين أكثر مما قيل في هذا الباب ، وهو خمسون ومائة الف