عن نفسه إماما روحيا وفكريا للمسلمين ، ويدين له بالولاء والإمامة كل ذلك
التيار الواسع ، لا بد أن يكون على قدر واضح وملحوظ بل وكبير من العلم
والمعرفة وسعة الأفق والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد ، لأنه لو لم يكن كذلك لما
أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته ، مع ما تقدم من أن الأئمة كانوا في
مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم وللأضواء المختلفة أن تسلط على حياتهم
وموازين شخصيتهم . فهل ترى أن صبيا يدعو إلى إمامة نفسه وينصب منها علما
للإسلام وهو على مرأى ومسمع من جماهير قواعده الشعبية ، فتؤمن به وتبذل في
سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلف نفسها اكتشاف حاله ، وبدون
أن تهزها ظاهرة هذه الإمامة المبكرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقييم هذا الصبي
الإمام ؟ ( 1 ) وهب أن الناس لم يتحركوا لاستطلاع المواقف ، فهل يمكن أن تمر
المسألة أياما وشهورا بل أعواما دون أن تتكشف الحقيقة على الرغم من التفاعل
الطبيعي المستمر بين الصبي الإمام وسائر الناس ؟ وهل من المعقول أن يكون صبيا
في فكره وعلمه حقا ثم لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل ؟
وإذا افترضنا أن القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يتح لها أن تكتشف
واقع الأمر ، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في
صالحها ؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبي صبيا في
فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان ، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدم هذا
الصبي إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته ، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة
والزعامة الروحية والفكرية . فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في
الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدر كبير من ثقافة عصره لتسلم الإمامة ، فليس
هامش
( 1 ) إشارة إلى الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، ومن قبل إلى الإمام الجواد مثلا .