أمام كل فرد مظلوم ، وكل أمة مظلومة ، في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء .
وإذا كانت فكرة المهدي أقدم من الإسلام وأوسع منه ، فإن معالمها التفصيلية
التي حددها الإسلام جاءت أكثر إشباعا لكل الطموحات التي أنشدت إلى هذه
الفكرة منذ فجر التاريخ الديني ، وأغنى عطاء ، وأقوى إثارة لأحاسيس المظلومين
والمعذبين على مر التاريخ . وذلك لأن الإسلام حول الفكرة من غيب إلى واقع ، ومن
مستقبل إلى حاضر ، ومن التطلع إلى منقذ تتمخض عنه الدنيا في المستقبل البعيد
المجهول إلى الإيمان بوجود المنقذ فعلا ، وتطلعه مع المتطلعين إلى اليوم الموعود ،
واكتمال كل الظروف التي تسمح له بممارسة دوره العظيم . فلم يعد المهدي فكرة ننتظر
ولادتها ، ونبوءة نتطلع إلى مصداقها ، بل واقعا قائما ننتظر فاعليته ، وإنسانا معينا
يعيش بيننا بلحمه ودمه ، نراه ويرانا ، ويعيش مع آمالنا وآلامنا ، ويشاركنا أحزاننا
وأفراحنا ، ويشهد كل ما تزخر به الساحة على وجه الأرض من عذاب المعذبين
وبؤس البائسين وظلم الظالمين ، ويكتوي بكل ذلك من قريب أو بعيد ، وينتظر
بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمد يده إلى كل مظلوم ، وكل محروم ( 1 ) ، وكل
بائس ، ويقطع دابر الظالمين .
وقد قدر لهذا القائد المنتظر أن لا يعلن عن نفسه ، ولا يكشف للآخرين
هامش
( 1 ) إشارة إلى بشارة الرسول الأعظم نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الحديث الشريف : " إن في أمتي
المهدي ، يخرج يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا ( الشك من الراوي ) قال : قلنا : وما ذاك ؟ قال :
سنين ، قال : فيجئ إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني أعطني قال : فيحثي له في ثوبه ما استطاع
أن يحمله " رواه الترمذي . راجع : التاج الجامع للأصول / الشيخ منصور علي ناصف 5 : 343
وفيه أكثر من إشارة إلى كون الإمام المهدي موجود حي يعيش في وسط الأمة ، وأن خروجه
وعيشه ، سبع سنين يعني ظهوره وقيام دولته المباركة التي فيها الخلاص والعدل .