الَّتي قوي حرصهم على طلبها فإنّها أيضا معارف وعلوم وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهيّة فأمّا من طال فكره في معرفة اللَّه سبحانه وقد انكشف له من أسرار ملك اللَّه ولو الشيء اليسير فإنّه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجّب من نفسه في ثباته واحتماله لقوّة فرحه وسروره وهذا ممّا لا يدرك إلا بالذّوق ، والحكاية فيه قليلة الجدوى ، فهذا القدر ينبّهك على أنّ معرفة اللَّه سبحانه ألذّ الأشياء وأنّه لا لذّة فوقها ، ولذلك قال أبو سليمان : من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربّه فهو غدا مشغول بربّه . وقيل لرابعة : ما حقيقة إيمانك قالت : ما عبدته خوفا من ناره ولا رجاء لجنّته فأكون كالأجير السوء ، بل عبدته حبّا له وشوقا إليه ، وقالت في معنى المحبّة نظما : أحبّك حبّين حبّ الهوى * وحبّا لأنّك أهل لذاكا فأمّا الَّذي هو حبّ الهوى * فشغلي بذكرك عمّن سواكا وأمّا الَّذي أنت أهل له * فكشفك لي الحجب حتّى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا ولعلَّها أرادت بحبّ الهوى حبّ اللَّه تعالى لإحسانه إليها وإنعامه عليها بحظوظ العاجلة ، وبحبّها لما هو أهل له الحبّ لجماله وجلاله الَّذي انكشف لها وهو أعلى الحبّين وأقواهما ولذّة مطالعة جمال الرّبوبيّة هي الَّتي خبّر ؟ ؟ ؟ عنها صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال حاكيا عن ربّه تعالى : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » ( 1 ) وقد يتعجّل بعض هذه اللَّذات لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية ، ولذلك قال بعضهم : إنّي لأقول : يا ربّ يا اللَّه فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال لأنّ النداء يكون من وراء حجاب وهل رأيت جليسا ينادي جليسه ؟ وقال : إذا بلغ الرّجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة . أي يخرج كلامه عن حدّ عقولهم فيرون ما يقوله جنونا وكفرا ، فمقصد العارفين كلَّهم وصله ولقاؤه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 32
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣٢
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 4 ص 143 من حديث أبي هريرة وقد تقدم .