تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
ضاقت عليه الدّنيا ولا في شدّة إلا اتّسعت عليه ، والموت أوّل منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدّنيا ، فطوبى لمن أكرم عند النزول بأوّلها وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها ، والموت أقرب الأشياء من ابن آدم وهو يعدّه أبعد فما أجرأ الإنسان على نفسه وما أضعفه من خلق وفي الموت نجاة المخلصين وهلاك المجرمين ولذلك اشتقا من اشتاق إلى الموت وكره من كره قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من أحبّ لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه » . قال أبو حامد : وكان الرّبيع بن خثيم حفر قبرا في داره فكان ينام في اللَّحد كلّ يوم مرّات ليستديم به ذكر الموت وكان يقول : لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد ، وقال : ما غائب ينتظره المؤمن خيرا له من الموت . * ( بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت ) * اعلم أنّ الموت هائل وخطره عظيم وغفلة النّاس عنه لقلَّة فكرهم فيه وذكرهم له ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوات الدّنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كلّ شيء إلا عن ذكر الموت الَّذي هو بين يديه كالَّذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنّه لا يتفكَّر إلا فيه فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثّر فيه وعند ذلك يقلّ فرحه وسروره بالدّنيا وينكسر قلبه وأوقع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الَّذين مضوا قبله فيتذكَّر موتهم ومصرعهم تحت التراب ويتذكَّر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ويتفكَّر كيف محا التراب الآن حسن صورتهم وكيف تبدّدت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيّعوا أموالهم وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأوحشت ديارهم فمهما تذكَّر رجلا رجلا وفصّل في قلبه حاله وكيفيّة حياته ، وتوهّم صورته ، وتذكَّر نشاطه ، وتردّده وأمله في العيش والبقاء ، ونسيانه للموت وانخداعه بمؤاتاة الأسباب ، وركونه إلى القوّة والشّباب ، وميله إلى الضحك واللَّهو وغفلته عمّا بين يديه من الموت الذّريع والهلاك السريع ، وأنّه كيف كان يتردّد والآن قد تهدّمت رجلاه