محمود بالإضافة إلى المستدبر إذ يرجى له الوصول إليها وليس بمحمود بالإضافة إلى المعتكف في الكعبة والملازم لها الَّذي لا يخرج منها حتّى يفتقر إلى الاشتغال بالدابّة في الوصول إليها فلا ينبغي أن تظنّ أنّ بغض الدّنيا مقصود في عينه بل الدّنيا عائق عن اللَّه ولا وصول إليه إلا بدفع العائق ولذلك قال أبو سليمان الدّاراني من زهد في الدّنيا واقتصر عليه فقد استعجل الرّاحة بل ينبغي أن يشتغل بالآخرة . فبيّن أن سلوك طريق الآخرة وراء الزّهد كما أنّ سلوك طريق الحجّ وراء دفع الغريم العائق عن طريق الحجّ ، فإذن قد ظهر أنّ الزّهد في الدّنيا إن أريد به عدم الرّغبة في وجودها وعدمها فهو غاية الكمال وإن أريد به الرّغبة في عدمها فهو كمال بالإضافة إلى درجة الرّاضي والقانع والحريص ، ونقصان بالإضافة إلى درجة المستغني ، بل الكمال في حقّ المال أن يستوي عندك الماء والمال ، وكثرة الماء في جوارك لا تؤذيك بأن تكون على شاطئ البحر ولا قلَّته تؤذيك إلا في قدر الضرورة مع أنّ الماء محتاج إليه كما أنّ المال محتاج إليه فلا يكون قلبك مشغولا بالفرار عن جوار الماء الكثير ولا يبغض الماء الكثير ، بل تقول : أشرب منه بقدر الحاجة وأسقي منه عباد اللَّه بقدر الحاجة ، ولا أبخل به على أحد ، فهكذا ينبغي أن يكون المال لأنّ الخبز والماء واحد في الحاجة وإنّما الفرق بينهما في قلَّة أحدها وكثرة الآخر وإذا عرفت اللَّه ووثقت بتدبيره الَّذي دبّر به العالم علمت أنّ قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حيّا كما يأتيك قدر حاجتك من الماء على ما سيأتي بيانه في كتاب التوكَّل .
فإن قلت : فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كلّ النفار فأقول : كما نفروا من الماء على معنى أنّهم ما شربوا أكثر من حاجتهم فنفروا عمّا وراءها ولم يجمعوه في القرب والروايا يديرونه مع أنفسهم بل تركوه في الأنهار والبراري للمحتاجين لا أنّهم كانت قلوبهم مشغولة بحبّه أو بغضه وقد حملت خزائن الأرض إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وإلى بعض أصحابه فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها إذ كان قد استوى عندهم الماء والمال والذّهب والحجر وما نقل عنهم من امتناع فإمّا أن ينقل عمّن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال ويقيّد قلبه فيدعوه إلى
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 318
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٨