من حيث لا يحتسب » ( 1 ) فإذا انسدّ عليه باب كان ينتظر الرّزق منه فلا ينبغي أن يضطرب قلبه لأجله ، قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أبى اللَّه أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب » ( 2 ) . وقال بعضهم : اتّق اللَّه فما رأيت تقيّا محتاجا . أي لا يترك التقيّ فاقدا لضرورته بل يلقي اللَّه في قلوب المؤمنين أن يوصلوا إليه رزقه . قال الفضيل : قلت لأعرابيّ : من أين معاشك ؟ قال : نذر الحاجّ ، قلت : فإذا صدروا ؟ فبكى وقال : لو لم نعش إلا من حيث ندري لم نعش . وقال أبو حازم : وجدت الدّنيا شيئين شيئا منهما هو لي فإن أعجّله قبل أجله لا يصل ولو طلبته بقوّة السماوات والأرض ، وشيئا منهما هو لغيري فذلك لم أنله فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي ، يمنع الَّذي لغيري منّي كما يمنع الَّذي لي من غيري ، ففي أيّ هذين أفنى عمري ؟ فهذا دواء من جهة المعرفة لا بدّ منه لدفع تخويف الشيطان وإنذاره بالفقر . الثالث أن يعرف ما في القناعة من عزّ الاستغناء وما في الطمع والحرص من الذّل فإذا تحقّق له ذلك انبعث رغبته إلى القناعة لأنّه في الحرص لا يخلو من تعب وفي الطمع لا يخلو من ذلّ وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات والفضول وهذا ألم لا يطَّلع عليه أحد إلا اللَّه وفيه ثواب الآخرة وذلك ممّا يضاف إليه نظر الناس وفيه الوبال والإثم ثمّ يفوته عزّ النفس والقدرة على متابعه الحقّ فإنّ من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحقّ ويلزمه المداهنة وذلك يهلك دينه ومن لا يؤثر عزّ النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان ، قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « عزّ المؤمن استغناؤه عن الناس » [ 1 ] .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 57
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٧
هامش
( 1 ) الطلاق : 3 .
( 2 ) أخرجه ابن حبان في الضعفاء وقال المقدسي : رواه أحمد بن داود وفيه عبد الغفار كان يضع الحديث راجع تذكرة الموضوعات ص 8 .
[ 1 ] أخرجه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 325 وصحح اسناده وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية كلهم من حديث سهل بن سعد أن جبرئيل قاله للنبي ( ص ) في أثناء حديث وفيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة وكلاهما مختلف فيه وجعله القضاعي في مسند الشهاب من قول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله كما المغني .