تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
عقيدة لا يقدر عليها السرّاق ولا تتناولها أيدي الغصّاب وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ولا يستغنى عن المراقبة والحفظ ، وأمّا خزائن القلوب فهي محفوظة بأنفسها وذو الجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها ، نعم إنّما تغصب القلوب بالتصريف وتقبيح الحال وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال وذلك ممّا يهون دفعه ولا يتيسّر على محاولة فعله . الثالث أنّ ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة لأنّ القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها فيصف ما يعتقده لغيره ويقتنص ذلك القلب أيضا له ولهذا المعنى يحبّ بالطبع الصيت وانتشار الذّكر لأنّ ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ودعاها إلى الإذعان والتعظيم فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد وليس له مردّ معين ، وأمّا المال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه فقطَّ ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة فالجاه أبدا في النماء بنفسه ولا مردّ لموقعه ، والمال واقف ولهذا إذ عظم الجاه وانتشر الصيت وانطلقت الألسنة بالثناء استحقرت الأموال في مقابلته ، فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال وإذا فصّلت كثرت وجوه الترجيح . فإن قلت : فالاشكال قائم في المال والجاه جميعا فلا ينبغي أن يحبّ الإنسان المال والجاه ، نعم القدر الَّذي يتوصّل به إلى جلب الملاذّ ودفع المضارّ معلوم كالمحتاج إلى الملبس والمسكن والمطعم أو كالمبتلى بمرض أو عقوبة إذا كان لا يتوصّل إلى دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال وجاه فحبّه للمال والجاه معلوم إذ كلّ ما لا يتوصّل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حبّ جمع الأموال وكنز الكنوز وادّخار الذّخائر واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات حتّى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى وراء هما ثالثا ، وكذلك يحبّ الإنسان اتّساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد الَّتي يعلم قطعا أنّه قطَّ لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها ليعظَّموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه ومع اليأس من ذلك فإنّه يلتذّ به غاية الالتذاذ وحبّ ذلك ثابت في الطبع
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 116 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري