كتاب آداب الكسب والمعاش
وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء .
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للَّه نحمده حمد موحّدا نمحق في توحيده ما سوى الملك الحقّ وتلاشي ، ونمجّده تمجيد من يصرّح بأنّ كلّ شيء ما سوى اللَّه باطل ولا يتحاشى ، وأنّ كلّ من في السماوات والأرض لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ولا فراشا [ 1 ] ، ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفا مبنيّا ومهّد الأرض بساطا لهم وفراشا ، وكوّر اللَّيل على النهار فجعل اللَّيل لباسا وجعل النهار معاشا لينتشروا في ابتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا [ 2 ] ، ونصلَّي على رسوله الَّذي يصدر المؤمنون على حوضه روّاء بعد ورودهم عليه عطاشا ، وعلى آله وصحبه الَّذين لم يدعوا في نصر دينه تشمّرا ولا أظهروا انكماشا [ 3 ] ونسلَّم كثيرا .
اما بعد فإنّ الرّبّ الواحد الوهّاب ربّ الأرباب ومسبّب الأسباب جعل الآخرة دار الثواب والعقاب ، والدّنيا دار المحن والاضطراب والتشمّر والاكتساب ، وليس التشمّر في الدّنيا مقصورا على المعاد دون المعاش بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه ، فالدّنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها والناس ثلاثة : رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين ، ورجل شغله معاده عن معاشه ، فهو من السابقين الفائزين ، والثالث وهو أقرب إلى الاعتدال الَّذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين ، ولن
هامش
[ 1 ] الفراش - بفتح الفاء - الطير الذي يتهافت على السراج فيحترق . واحدتها فراشة - بفتح الفاء - أيضا . كما في النهاية .
[ 2 ] الانتعاش : النشاط والنهوض .
[ 3 ] الانكماش : الانقباض والتقلص . وانكمش الثوب بعد الغسل أي انقبض وقلص .