ومقتضاه تعين أول الوقت للإتيان به وقد أشار إلى هذا في غاية المأمول فقال بعد ما حكينا عنه سابقا لأن الوقت بحسب ظنه قد يضيق عليه التكليف بالفرد يرجع إلى الظن فتعين عليه الفعل في ذلك الوقت ولا يجوز له تأخيره عنه انتهى وفيه نظر ومنها ما تمسك به جدي الصالح في شرح الزبدة فقال بعد ما نقلنا عنه سابقا لصيرورة ما قبل ذلك الجزء وقتاله بحسب ظنه ولأنه ترك الواجب من غير بدل وهو العزم لفعله ثانيا انتهى وفيه نظر ومنها أنا نجد أن العقل يحكم حكما بتيا قطعيا بلزوم العمل بالظن المفروض فتأمل لا يقال يدفع جميع ما ذكرنا العمومات المانعة عن العمل بالظن كتابا وسنة لأنا نقول هذه العمومات لا تصلح للمعارضة من وجوه شتى
وينبغي التنبيه على أمور
الأول
لا فرق فيما ذكر بين الواجبات الموسعة التي وقتها العمر والمحدودة بوقت خاص كما هو ظاهر إطلاق النهاية والتهذيب والمنية والأحكام والمختصر وشرحه والمعراج وصرح به في الزبدة وشرحها لجدي الصالح وغاية المأمول وكذا صرح به السيد الأستاذ قدس سره
الثاني
لو أخر عن الزمان المفروض فتبين كذب ظنه وقدرته على الإتيان بالواجب في الزمان الذي ظن فوته فيه فهل يكون عاصيا أو لا بل يختص العصيان بصورة عدم ظهور كذب الظن وفوت الواجب يظهر من إطلاق المنية والإحكام والمختصر وشرحه الأول وبه صرح في موضع من النهاية وكذا صرح به الفاضلان الجواد وجدي الصالح قدس سرهما في شرحيهما على الزبدة فقالا الأصح العصيان لأنه ترك ما وجب عليه بحسب الظن الذي هو مدار التكليف وزاد الأول فقال ويحتمل العدم لأن بقاءه في ذلك الجزء كاشف عن خطاء ظنه وهو ضعيف انتهى ويظهر من موضع آخر من النهاية الثاني ومن الزبدة التوقف والأقرب عندي هو القول الثاني لأن وجوب العمل بالظن ليس وجوبا نفسيا أصليا كوجوب الصلاة بل هو وجوب توسلي ومن باب المقدمة كوجوب الصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ووجوب الاجتناب من زوجته عند اشتباهها بالأجنبية ونحو ذلك والمعتمد عندي أن مقدمة الواجب لا يترتب على تركها عقاب كترك الواجبات النفسية وإنما يترتب العقاب بترك نفس الواجب لا بترك مقدمته فتأمل
الثالث
هل يجب بعد ظهور خطاء ظنه الإتيان بالواجب أو لا بل يسقط عنه المعتمد هو الأول عملا بالأصل وإطلاق الأمر ولظهور الاتفاق عليه حتى من القاضي الذي يأتي إلى مذهبه الإشارة
الرابع
هل الإتيان بعد ظهور خطاء الظن قضاء أو أداء اختلفوا فيه على قولين أحدهما أنه قضاء وهو للمحكي في جملة من الكتب عن القاضي وثانيهما أنه أداء وهو للتهذيب والنهاية والمنية والزبدة والإحكام وفي النهاية هو اختيار الغزالي والجمهور وفي المنية هو اختيار الغزالي وجماعة من الأصوليين وفي غاية المأمول والمختصر وشرحه هو اختيار الجمهور للقول الأول ما أشار إليه في النهاية والمنية ففي الأول قال القاضي أبو بكر يكون قضاء لتعين وقته بسبب غلبة الظن ولم يوقعه فيه ولهذا يعصي بالتأخير إجماعا وفي الثاني قال القاضي أبو بكر يكون قضاء لتعين وقته لسبب غلبة ظنه وإلا لم يعص بالتأخير عنه وهو باطل اتفاقا فإذا أوقعه خارج ذلك الوقت المعين كان قضاء إذ لا معنى له إلا ما فعل بعد وقته المعين انتهى وأورد عليه في النهاية والإحكام فقالا بعد الإشارة إليه وليس بجيد فإن العصيان لا يستلزم كون الفعل قضاء لأن ذلك الوقت كان وقتا للأداء والأصل بقاء ما كان على ما كان وزاد في النهاية فقال بل ونمنع العصيان بعد ظهور بطلان ظنه ووجوب التضييق عليه وإنما يحكم بذلك لو استمر الظن فكيف يصح أن ينوي القضاء لفعل في وقته ثم قال وأورد بعض المتأخرين على القاضي أنه لا يلزم من عصيان المكلف بتأخر الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن يكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء وليس بجيد لأن العصيان هنا ليس باعتبار تضيق الوقت بل بترك الواجب وبدله وفي المنية بعد الإشارة إلى حجة القاضي وليس بجيد لأن حكم الظن مشروط باستمراره ومع زواله وظهور فساده يسقط عن درجة الاعتبار ويبقى الحال على ما كان عليه قبله انتهى وللقول الثاني ما ذكره في غاية المأمول وشرح المختصر من أن الواجب وقع في الوقت المقدر له شرعا أولا فيكون أداء وفيه نظر والتحقيق هنا أن يقال إن القاضي إن كان مراده مجرد التسمية يعني ليس مدعاه سوى إثبات صدق لفظ القضاء حقيقة على ذلك وإلا فهو يشارك القوم في الأحكام فالنزاع في المسألة لفظي وفي أمر اصطلاحي والأمر فيه سهل وقد أشار إلى هذا في غاية المأمول وشرح جدي الصالح وشرح المختصر
وفيه ولا مناقشة فيه وهو جيد ولكن الأقرب عدم صدق القضاء حقيقة بحسب الاصطلاح كما صرح به في جملة من الكتب ففي شرح جدي الصالح وغاية المأمول وشرح المختصر أن تسميته أداء أولى لأنه فعل في وقته المقدر له شرعا انتهى وإن كان مراده إثبات أن بعد انقضاء ذلك الوقت الذي ظن فوت الواجب فيه لا يجب ذلك الفعل إلا بأمر آخر لأن القضاء بفرض جديد فهو باطل أما أولا فلظهور الاتفاق عليه كما أشرنا إليه سابقا وأما ثانيا فلأصالة بقاء الوجوب وما كان سابقا كما صرح به في النهاية وشرح جدي الصالح والأحكام وأما ثالثا فلإطلاق الأمر وإن كان مراده وجوب نية القضاء فهو باطل أيضا أما أولا فللمنع من وجوب نية الأداء والقضاء فتأمل وأما ثانيا فلما ذكره في شرح المختصر فقال ولا