شرح
ثم قال ابن أبي الحديد - بعد ذكر بعض الأخبار في ذلك - : والصحيح عندي أنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر وأنها أوصت أن لا يصليا عليها ، وذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما ، وكان الأولى بهما إكرامها واحترام منزلها ثم روي بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال له أما والله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أنا خفناه على اثنين ، على حداثة سنة وحبه بني عبد المطلب ( 1 ) وقد أورد ابن قتيبة ( 2 ) أكثر هذه الواقعة الشنيعة وذكر أنه هدد أبو بكر عليا بالقتل إن لم يبايع ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله باكيا وقال : ( يا بن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي » ( 3 ) .
أقول : نكتفي في هذا المقام بما أوردنا من أخبار الفريقين ، وإن كان قليلا من كثير فلينظر امرؤ فيها ولينصف من نفسه هل يظهر له بغض هؤلاء لأهل البيت عليهم السلام ومعاندتهم لهم مع أنهم رووا في أخبار كثيرة أن حبهم إيمان ، وبغضهم كفر ونفاق ( 4 ) وهل يتبين له منها مفارقة القوم عليا ومفارقته إياهم ، وقد رووا بأسانيد جمة أن عليا مع الحق والحق مع علي حيث ما دار ( 5 ) وهل يخفى على ذي حجى أن مثل هذه الإهانات وأقل منها إيذاء له عليه السلام .
وقد روى أحمد بن حنبل وغيره أنه صلى الله عليه وآله قال : " من آذى عليا فقد آذاني " ( 6 ) .
وهل يخفى عليك بعد التفكر فيما نقلنا أن هذه البيعة من عظماء الصحابة كانت بعد زمان طويل جبرا وقهرا ، فهل يجوز عاقل أن يكون مثل هذه البيعة
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 50 - 51 .
( 2 ) في الإمامة والسياسة .
( 3 ) الأعراف : 150 .
( 4 و 5 ) لاحظ فضائل الخمسة من الصحاح الستة : ج 2 ص 75 - 87 وص 108 - 111 .
( 6 ) مسند أحمد بن حنبل : ج 3 ص 483 .