اسْتَطَالَ وقَلَّ مَا تَصْدُقُكَ الأُمْنِيَّةُ والتَّوَاضُعُ يَكْسُوكَ الْمَهَابَةَ وفِي سَعَةِ الأَخْلَاقِ كُنُوزُ الأَرْزَاقِ كَمْ مِنْ عَاكِفٍ عَلَى ذَنْبِه فِي آخِرِ أَيَّامِ عُمُرِه ومَنْ كَسَاه الْحَيَاءُ ثَوْبَه خَفِيَ عَلَى النَّاسِ عَيْبُه وانْحُ الْقَصْدَ مِنَ الْقَوْلِ فَإِنَّ مَنْ تَحَرَّى الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْه الْمُؤَنُ وفِي خِلَافِ النَّفْسِ رُشْدُكَ مَنْ عَرَفَ الأَيَّامَ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ أَلَا وإِنَّ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقاً وإِنَّ فِي كُلِّ أُكْلَةٍ غَصَصاً - لَا تُنَالُ نِعْمَةٌ إِلَّا بِزَوَالِ أُخْرَى ولِكُلِّ ذِي رَمَقٍ قُوتٌ
شرح
أو مالا أو علما أو غيرها من أسباب الشرف ، يلزمه غالبا الفخر والاستطالة ، فحذف المفعول للإبهام والتعميم ، أو المراد أن الجود والكرم غالبا يوجبان الفخر والمن والاستطالة .
قوله عليه السلام : " وقل ما تصدقك " على المجرد أي في الغالب أمنيتك كاذبة فيما تعدك .
قوله عليه السلام : " كم من عاكف " إلخ . أي من ينبغي الحذر عن الذنوب في جميع الأوقات لاحتمال كل وقت أن يكون آخر عمره وهو لا يعلم .
قوله عليه السلام : " وانح القصد " أي أقصد الوسط العدل من القول ، وجانب التعدي والإفراط والتفريط ، ليخف عليك المؤن ، فإن من قال جورا أو ادعى أمرا باطلا يشتد عليه الأمر لعدم إمكان إثباته .
قوله عليه السلام : " وإن مع كل جرعة شرقا " الشرق والغصة اعتراض الشيء في الحلق ، وعدم إساغته ، والأول يطلق في المشروبات ، والثاني في المأكولات غالبا .
قوله عليه السلام : " لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى " قال ابن ميثم ( 1 ) : فإن نعمها لا تجتمع أشخاصها كلقمة ولقمة بل وأنواعها كالأكل والشرب والجماع انتهى .
أقول : ظاهر أن عادة الدنيا أن نعمها متناوبة ، فإن من ليس له مال يكون آمنا صحيحا غالبا ، وإذا حصل له الغنى يكون خائفا أو مريضا لا ينتفع بما له ، بل كل حالة من جهة نعمة ، ومن جهة بلاء كالمرض ، فإنه نعمة لتكفيره السيئات ، فإذا ورد عليه نعمة الصحة زالت تلك النعمة الحاصلة بالبلاء .
هامش
( 1 ) لم نعثر بهذه العبارة في شرح الخطبة ولعله ( قدس سره ) نقل مضمونه لاحظ
شرح نهج البلاغة لابن ميثم ج 5 ص 342 - 343 .