تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
فَصَنَعُوه قَالَ فَعَادَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه قَدْ بَلَغَ الأَغْنِيَاءَ مَا قُلْتَ فَصَنَعُوه فَقَالَ : رَسُولُ اللَّه ص ذَلِكَ فَضْلُ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ
شرح
وهو أن الفقر والغناء ثلاثة . الأولى : الغني والفقير اللذين يفعل كل منهما الواجب عليه فقط . الثانية : أن يفعل كل منها ما هو مقدوره كان يصبر الفقير ويؤثر على غيره ويحج الغني ويعتق ويتصدق . الثالثة : الفقر والغناء وصفان كليان من حيث كون كل منهما قابلا للأمر إما الغناء فقابل لتحصيل القرب بالمالية ، وأما الفقر فقابل للصبر ، وكل واحد من هذه الثلاثة يصح أن يكون محلا للخلاف ، أما الأولى فلأنه يمكن أن يقال فيها هل فضل القربات المالية الواجبة أرجح من صبر الفقير أو صبره أرجح ، وأما الثانية وهي الأنسب بهذا الحديث ، فكذلك بنحو ما تقدم ، وأما الثالثة فكذلك فإنه يصح أن يقال هل قابلية فعل الخيرات والقربات المالية أرجح من قابلية تحصيل الصبر والسلامة من عهدة الغناء وتكاليفه أو العكس فتأمل ، ورجح بحسب ما ظهر لك من الروايات وغيرها ، انتهى . وأقول : الأظهر عندي أن الفقر والغناء والصحة والقسم والعزة والذلة والشهرة والخمول وسائر تلك الأحوال المتقابلة لكل منها جهات كثيرة ومختلف . بحسب الأحوال والأشخاص والأزمان ، ولا يعلم جميع ذلك إلا علام الغيوب ، ولا يفعل شيئا من ذلك بعباده بلطفه الشامل إلا ما علم صلاحهم فيه بعلمه الكامل ، فوظيفة العبد أن يكل جميع ذلك إلى مولاه ، ويتوكل عليه ويرضي بقضائه ، ويصبر على بلائه ويشكره على نعمائه ، ولا يختار لنفسه ما لا يعلم عاقبته ، فالغني للغني أصلح ، وإلا لم يفعله به مولاه ، والفقر للفقير أفضل وإلا لم يفعله به من خلقه ورباه وهكذا جميع أحوال العالمين : « فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الأعراف : 144 .