عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ : * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * ( 1 ) ومِنْهَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ
شرح
وأمثال ذلك في الآيات كثيرة لا تخفى على من تتبعها .
" جعل العاق جَبَّاراً شَقِيًّا » إشارة إلى قوله تعالى حاكيا عن عيسى عليه السلام : « وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » ( 2 ) قال الطبرسي ( ره ) : وبرا بوالدتي أي وجعلني بارا بها أؤدي شكرها فيما قاسته بسببي « وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً » أي متجبرا « شَقِيًّا » والمعنى أني بلطفه وتوفيقه كنت محسنا إلى والدتي متواضعا في نفسي ، حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء ، انتهى .
وأقول : الآية وإن وردت في بر الوالدة لما لم يكن لعيسى عليه السلام والد لكن الظاهر شمول الحكم للوالد بطريق أولى ، مع أنه تعالى قال في قصة يحيى عليه السلام : « وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا » ( 3 ) فعلى سياق ما تقدم يدل على أن العاق جبار عاص ، ولا يبعد أن يكون أشار عليه السلام إلى الآيتين معا لاشتراك الجبار بينهما ، والاكتفاء بالشقي لأنه أبلغ من العصي في الذم وكون الآيتين غاية في الذم ظاهر ، وأما استلزام الوعيد بالنار فلان الجبار في الآيات تطلق على الكفار والمعاندين للحق والبالغين في الظلم ، قال الراغب : الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها ، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى : « وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ » ( 3 ) وقوله : « وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا » وقوله : « إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ » ( 4 ) وقوله : « كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ » ( 5 ) أي متعال عن قبول الحق والإذعان له ، ويقال للقاهر غيره جبارا ، انتهى .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 99 .
( 2 ) و ( 3 ) سورة مريم : 32 و 14 .
( 3 ) سورة إبراهيم : 15 .
( 4 ) سورة المائدة : 22 .
( 5 ) سورة غافر : 35 .