شرح
يتصدق فتحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء ، وذلك لأن شأن النفوس أن يكون توجهها إلى بعض المعلومات يذهلها عن البعض الآخر ، وذلك هو البداء .
ثم إذا كانت الأسباب بوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ، وينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى ، فهذا هو التردد .
ثم لما كانت أفعال الملائكة المسخرين وإرادتهم مستهلكة في فعله سبحانه وإرادته إذ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ومكتوبهم مكتوب الله بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول ، جاز أن يوصف الله سبحانه بالبداء والتردد وأمثالهما ، فلذا قال سبحانه : ما ترددت في شيء ، إلخ .
مع أنه عز وجل قد قضى عليه الموت قضاء حتما كما قال عز وجل : « ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ » ( 1 ) وقال : « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » ( 2 ) .
وأقول : هذا بحسب آرائهم ومصطلحاتهم ، وقد مر تحقيق ذلك في باب البداء وقد مرت لتأويل هذا الحديث وجوه أخرى في باب الرضا بموهبة الإيمان .
ثم قال قدس سره : والجملة الاسمية يعني " أنا فاعله " نعت " شيء " واسم الفاعل فيها يجوز أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال " يكره الموت وأكره مساءته " جملة مستأنفة استينافا بيانيا كان سائلا يسأل ما سبب التردد ؟ فأجيب بذلك ، ويحتمل الحالية من المؤمن والاستئناف أولى ، والمساءة على وزن سلامة مصدر ميمي من ساءه إذا فعل ما يكرهه .
وقال روح الله روحه : قد يتوهم المنافاة بين ما دل عليه هذا الحديث وأمثاله
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 2 .
( 2 ) سورة الأعراف : 32 .