أَمَا واللَّه لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْه وقَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوْعِظَةُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَه
شرح
" هكذا تصنع المواعظ البالغة " ، هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع ، والتقديم للحصر ، والمشار إليه نوع من التأثير ، صار في همام سبب موته " بأهلها " أي بمن تؤثر فيه ، ويتدبرها ويفهمها كما ينبغي .
" فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ " أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات ، أو ذكرها أو سماعك من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما فعل بهمام ، أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه ؟ فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها :
الأول : إن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل ، وصيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه ، وقلة حوصلته ، وعدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه صلوات الله عليه .
الثاني : ما ذكره بعض المحققين : وهو أنه أجابه عليه السلام بالإشارة إلى السبب البعيد وهو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي وهو جواب مقنع للسائل مع أنه حق وصدق ، وأما السبب القريب الفرق بينه وبين همام ونحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية وتعوده بها ، وبلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها ، وضعف نفس همام عما ورد عليه من خوف الله ورجائه ، وأيضا فإنه عليه السلام كان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها ، قيل : ولم يجب عليه السلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه ، أو لقصور فهم السائل وهذا قريب من الأول لكن الأول أظهر ، لأنه عليه السلام أشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب ، في المواد مختلفة ، فيمكن أن يؤثر في بعض المواد ولا يؤثر في بعضها .
الثالث : أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا ، بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه ، أو غير ذلك ، وليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها ، فإن لكل أحد أجلا منوطا