شرح
حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات ، وكلما أجابوا به فهو جوابنا ، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن ، أو سمعي فكذلك .
فإن قيل : ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك فيقلده الباقون ؟ قلنا : هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن ، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بالسمع فيكون حجة على الأشاعرة لا دليلا على وجوب التقليد .
واحتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى : « ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا » ( 1 ) والنظر يفتح باب الجدال فيحرم ، ولأنه عليه السلام رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها ، وقال : إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا ، ولقوله عليه السلام : عليكم بدين العجائز ، والمراد ترك النظر ، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه .
وأجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى : « وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ » ( 2 ) لا الجدال بالحق لقوله تعالى : « وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ » ( 3 ) والأمر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه ، وعن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر ، بل عنه في مسألة القدر ، كيف وقد ورد الإنكار على تارك النظر في قوله تعالى : « أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ » ( 4 ) وقد أثنى على فاعله في قوله
هامش
( 1 ) و ( 2 ) سورة غافر : 4 - 5 .
( 3 ) سورة النحل : 125 .
( 4 ) سورة الروم : 8 .