إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً - ونَهَى تَحْذِيراً وأَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً ولَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً ولَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً - ولَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً ولَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا
شرح
أبي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن الرقي أتدفع من القدر شيئا ؟ فقال : هي من القدر ، وقال عليه السلام : إن القدرية مجوس هذه الأمة ، وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه ، وفيهم نزلت هذه الآية : « يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ » ( 1 ) ويعضده أيضا أن قدماء المحدثين إنما يطلقون القدرية على المفوضة كالمصنف ، حيث قابل في عنوان الباب بين الجبر والقدر ، وقد عد أصحاب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتاب الجبر والقدر ، وكتاب الرد على المعتزلة " إن الله كلف تخييرا " أي أمره جاعلا له مخيرا بين الفعل والترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما ، من غير إكراه وإجبار " ونهى تحذيرا " أي طلبا للاحتراز عن فعل المنهي عنه ، لا بالإكراه على الترك " وأعطي على القليل كثيرا " ترغيبا إلى الطاعة وترك المعصية " ولم يعص مغلوبا " على بناء المفعول :
أي لم يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيته عن العبد بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه وإجباره ، أو لا يقع العصيان بمغلوبية العاصي ، فإنه لا عصيان مع عدم الاختيار ، " ولم يطع مكرها " على صيغة اسم الفاعل ، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة وربما يقرأ على صيغة المفعول ، فيكون ردا على المفوضة أيضا ، لأنه إذا استقل العبد ولم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنه سبحانه مكره فيه .
ويمكن أن يقرأ الفعلان على بناء الفاعل ويكون الفاعل المطيع والعاصي ، وهما بعيدان " ولم يملك " على بناء التفعيل والمفعول القدرة والإرادة والاختيار ، أو على بناء الأفعال بمعنى إعطاء السلطنة " مفوضا " بحيث لم يحصرهم بالأمر والنهي أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق والخذلان " ولم يخلق السماوات ، إلخ " إشارة إلى قوله سبحانه : « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ
هامش
( 1 ) سورة القمر : 48 .