قوله تعالى :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
لما كان هذا النصر والفتح إذلالا منه تعالى للشرك وإعزازا للتوحيد وبعبارة أخرى إبطالا للباطل وإحقاقا للحق ناسب من الجهة الأولى تنزيهه تعالى وتسبيحه ، وناسب من الجهة الثانية - التي هي نعمة - الثناء عليه تعالى وحمده فلذلك أمره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله :
« فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ »
.
وهاهنا وجه آخر يوجه به الأمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار جميعا وهو أن للرب تعالى على عبده أن يذكره بصفات كماله ويذكر نفسه بما له من النقص والحاجة ولما كان في هذا الفتح فراغه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من جل ما كان عليه من السعي في إماطة الباطل وقطع دابر الفساد أمر أن يذكره عند ذلك بجلاله وهو التسبيح وجماله وهو التحميد وأن يذكره بنقص نفسه وحاجته إلى ربه وهو طلب المغفرة ومعناه فيه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو مغفور - سؤال إدامة المغفرة فإن الحاجة إلى المغفرة بقاء كالحاجة إليها حدوثا فافهم ذلك ، وبذلك يتم شكره لربه تعالى وقد تقدم « 1 » كلام في معنى مغفرة الذنب في الأبحاث السابقة « 2 » .
وقوله :
إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
تعليل للأمر بالاستغفار لا يخلو من تشويق وتأكيد .
هامش
( 1 ) . في آخر الجزء السادس من الكتاب .
( 2 ) . النصر 1 - 3 : بحث روائي في نزول سورة النصر ؛ اوّل سورة نزلت وآخرها ؛ قصة فتح مكة .