تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 605

مساهمون:

ص٦٠٥
والاستفهام بداعي تأكيد ما في قوله :
« ما أَكْفَرَهُ »
من العجب - والعجب إنما هو في الحوادث التي لا يظهر لها سبب - فافيد أولا : أن من العجب إفراط الإنسان في كفره ثم سئل ثانيا : هل في خلقته إذ خلقه اللّه ما يوجب له الإفراط في الكفر فأجيب بنفيه وأن لا حجة له يحتج بها ولا عذر يعتذر به فإنه مخلوق من ماء مهين لا يملك شيئا من خلقته ولا من تدبير أمره في حياته ومماته ونشره ، وبالجملة الاستفهام توطئة للجواب الذي في قوله :
« مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ »
الخ . قوله تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
تنكير
« نُطْفَةٍ »
للتحقير أي من نطفة مهينة حقيرة خلقه فلا يحق له وأصله هذا الأصل أن يطغى بكفره ويستكبر عن الطاعة . وقوله :
فَقَدَّرَهُ
أي أعطاه القدر في ذاته وصفاته وأفعاله فليس له أن يتعدى الطور الذي قدر له ويتجاوز الحد الذي عين له فقد أحاط به التدبير الربوبي من كل جانب ليس له أن يستقل بنيل ما لم يقدر له . قوله تعالى :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
ظاهر السياق المقصود به نفي العذر من الإنسان في كفره واستكباره أن المراد بالسبيل - وقد أطلق - السبيل إلى طاعة اللّه وامتثال أوامره وإن شئت فقل : السبيل إلى الخير والسعادة . فتكون الآية في معنى دفع الدخل فإنه إذا قيل
« مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ »
أمكن أن يتوهم السامع أن الخلق والتقدير إذا كانا محيطين بالإنسان من كل جهة كانت أفعال الانسان لذاته وصفاته مقدرة مكتوبة ومتعلقة لمشية الربوبية التي لا تتخلف فتكون أفعال الانسان ضرورية الثبوت واجبة التحقق والإنسان مجبرا عليها فاقدا للاختيار فلا صنع للإنسان في كفره إذا كفر ولا في فسقه إذا فسق ولم يقض ما أمره اللّه به وإنما ذلك بتقديره تعالى وإرادته فلا ذم ولا لائمة على الإنسان ولا دعوة دينية تتعلق به لأن ذلك كله فرع للاختيار ولا اختيار . فدفع الشبهة بقوله :
« ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ »
ومحصله أن الخلق والتقدير لا ينافيان كون