تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
قوله تعالى :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
الحيد العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له . وفي تقييد مجيء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
( الأنبياء / 35 ) ، وقد مر تفسيره فالموت - وهو الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها - حق كما أن البعث حق والجنة حق والنار حق ، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها والتعرض لها . وفي قوله :
ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع وذلك أن اللّه سبحانه زيّن الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للانسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
( الكهف / 8 ) . قوله تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى ، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ . والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز اللّه تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده . قوله تعالى :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ
السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها . فقوله :
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ
أي جاءت إلى اللّه وحضرت عنده لفصل القضاء ، والدليل عليه قوله تعالى :
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
( القيامة / 30 ) . والمعنى : وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ولم