ولما ذكر من النكتة عطف قوله :
« وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ »
وهو فعل مضارع مسوق للدلالة على الاستمرار على قوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ »
وهو فعل ماض لكنه مستمر المعنى ، وكذا قوله :
« وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »
مفيد للثبوت والدوام والاستمرار باستمرار وجود الإنسان .
وللآية اتصال بما تقدم من الاحتجاج على علمه وقدرته تعالى في الخلق الأول بقوله :
« أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ »
واتصال أيضا بقوله تعالى في الآية السابقة :
« بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ »
فهي في سياق يذكر قدرته على الإنسان بخلقه ، وعلمه به بلا واسطة وبواسطة الملائكة الحفظة الكتبة .
فقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
- واللام للقسم - دالّ على القدرة عليه بإثبات الخلق .
وقوله :
وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
في ذكر أخفى أصناف العلم وهو العلم بالخطور النفساني الخفي إشارة إلى استيعاب العلم له كأنه قيل : ونعلم ظاهره وباطنه حتى ما توسوس به نفسه وما توسوس به الشبهة في أمر المعاد : كيف يبعث الإنسان وقد صار بعد الموت ترابا متلاشي الأجزاء غير متميز بعضها من بعض .
وقد بان أن
« ما »
في
« ما تُوَسْوِسُ بِهِ »
موصولة وضمير
« بِهِ »
عائد اليه والباء للآلة أو للسببية ، ونسب الوسوسة إلى النفس دون الشيطان وإن كانت منسوبة اليه أيضا لأن الكلام في إحاطة العلم بالإنسان حتى بما في زوايا نفسه من هاجس ووسوسة .
وقوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
الوريد عرق متفرق في البدن فيه مجاري الدم ، وقيل : هو العرق الذي في الحلق ، وكيف كان فتسميته حبلا لتشبيهه به ، وإضافة حبل الوريد بيانية .
والمعنى : نحن أقرب إلى الإنسان من حبل وريده المخالط لأعضائه المستقر في داخل بدنه