والمراد بأيمانهم - على ما قيل - إيمانهم بألسنتهم ظاهرا بشهادة أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسوله ثم كفرهم بخلو باطنهم عن الإيمان كما قال تعالى فيهم :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
( البقرة / 14 ) .
ولا يبعد أن يكون فيهم من آمن حقيقة ثم ارتدّ وكتم ارتداده فلحق بالمنافقين يتربّص بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وبالمؤمنين الدوائر كما يظهر من بعض آيات سورة التوبة كقوله :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ
( التوبة / 77 ) ، وقد عبّر تعالى عمن لم يدخل الإيمان في قلبه منهم بمثل قوله :
وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
( التوبة / 74 ) .
فالظاهر أن المراد بقوله :
« آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا »
إظهارهم للشهادتين أعم من أن يكون عن ظهر القلب أو بظاهر من القول ثم كفرهم بإتيان أعمال تستصحب الكفر كالاستهزاء بالدين وردّ بعض الأحكام .
وقوله :
فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
تفريع عدم الفقه على طبع القلوب دليل على أن الطبع ختم على القلب يستتبع عدم قبوله لورود كلمة الحق فيه فهو آيس من الإيمان محروم من الحق .
والطبع على القلب جعله بحيث لا يقبل الحق ولا يتبعه فلا محالة يتبع الهوى كما قال تعالى :
طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
( سورة محمّد / 16 ) ، فلا يفقه ولا يسمع ولا يعلم كما قال تعالى :
وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
( التوبة / 87 ) ، وقال :
وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
( الأعراف / 100 ) ، وقال :
وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( التوبة / 93 ) ، والطبع على أي حال لا يكون منه تعالى إلّا مجازاة لأنه إضلال والذي ينسب اليه تعالى من الإضلال إنما هو الإضلال على سبيل المجازاة دون الإضلال الابتدائي وقد مرّ مرارا .
قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ