أخي الكريم :
إن تكرار التوبة منك ، ثم العودة إلى مقارفة الذنب ، له دلالتان :
الأولى : أن جهاد النفس الأمارة بالسوء ليس أمراً سهلاً ، بل هو صعب ومرير ، وهو الجهاد الأكبر ، كما روي عن رسول الله ‹ صلى الله عليه وآله › ؛ وذلك لأنك تجاهد أحب شيء إليك ، وهو نفسك التي بين جنبيك ، والتي لا يمكنك أن ترى فيها إلا الحنان والعطف ، والرضا ، ولا يمكن أن تتوهم أنها عدو حقيقي لك ، فضلاً عن أن تعتقد بذلك ، ولا سبيل إلى التفكير في إقصائها عن التأثير في قرارك ، وعزلها عن حركتك في الحياة .
لا سيما وأنك لم ترها يوماً من الأيام قد حملت عليك سيفاً ، أو واجهتك بالأذى ، أو هددتك بالحرمان ، بل هي تعرض عليك الملذات ، وتدعوك للشهوات ، وتزينها لك بصورة منافع عاجلة ، تزيد لديك الرغبة فيها ، وتثير فيك النوازع للاندفاع إليها .
وإذا كنت تستطيع أن تقتل عدوك الظاهر ، فإنما تقتله مرة واحدة ، وتتخلص منه إلى الأبد .
وأما هذا العدو الذي يعيش في داخلك على أنه صديق بل حبيب ، فإنك لا تستطيع أن تتخلص منه ، مهما قاومته ، وقسوت عليه ، بل غاية ما تقدر عليه هو أن تسلبه القرار ما دمت ملتفتاً ويقظاً ، حتى إذا ظهرت له منك غفلة أو ضعف عاد فسلبك إياه ، وجرك إلى متاهات عمياء ، وأوقعك في دواه دهياء .
مختصر مفيد — صفحة 193
مساهمون: السيد جعفر مرتضى العاملي
ص١٩٣