مضيعاً لما استودعته الأيام ، مقصراً في البحث عمّا يجب عليه علمه حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته . . . ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان ، وميدانه قد عطل من الرهان ، تداركت منه الذماء الباقي ، وتلافيت نفساً بلغت التراقي . ( 1 )
فابن إدريس بكتابه هذا أوّل من نفض غبار الركود عن كاهل الفقه الشيعي ، واقتفاه جلّ من تأخّروا عنه وإن اختلفوا معه في أشياء وأشياء ، ولكن الضجة التي أثارها تركت أثرها في شحذ الهمم نحو عرض الفقه بأُسلوب أكثر علميّة .
وقد أُصيب في جهاده العلمي بوابل من الطعنات اللاذعة ، لكنّها لم تؤثر في عزمه الراسخ نحو ما تصبو إليه نفسه ، وهو بتأليف كتابه الرائع « السرائر » قد قضى على التقليد الفكري ، وأطاح به ، وأخذ بطرح أفكاره في ثنايا كتابه ، مندداً بالمتفقّهة والمقلّدة ، وهو مع إجلاله للشيخ الطوسي أخذ ببيان المواضع التي يخالفه فيها مدعومة بالبرهان .
وأخذ يدافع عن وجهة نظره بأمرين :
الأوّل : بإقامة البراهين الدامغة على رأيه وفق منهجه ، وهو عدم حجّية خبر الواحد ، وانحصار الحجية بالكتاب والخبر المتواتر والإجماع والعقل .
الثاني : محاولة عدم الانفراد بالرأي وتعزيزه بموافقة الشيخ الطوسي له على هذا الرأي في بعض كتبه ، أو أنّ ما ذكره الشيخ إنّما ذكره إيراداً لا اعتقاداً ، إلى غير ذلك من المحاولات التي كان الهدف من ورائها استقطاب موافقة من تقدّم عليه حتى ربما يقتصر على الموافقة التي ربما تلوح من عبارة الشيخ .
يقول هو في حكم الماء النجس المتمم كراً : الشيخ أبو جعفر الطوسي ( رحمه الله )
هامش
1 . مقدّمة المؤلّف على كتابه السرائر : 1 / 41 .