العلوم الانفعاليّة ، لا الفعليّة ، وهو تعالى علمه فعليّ ، فالمعلوم تابع للعلم ( 1 ) .
وهذا الإشكال واضح الورود على ظاهر كلامه ، ولكن يمكن توجيهه بما
لا يرد عليه .
توضيحه : أنّ علّية كلّ مرتبة من مراتب نظام الكلّ لمرتبة تا لية منه ،
إنّما تكون لخصوصيّة ذاتيّة فيها ، وهي غير مجعولة ، بل الجاعل أوجدها ،
والخصوصيّة ذاتيّة ثابتة لها بلا جعل ، فما كان العلم بالنسبة إليه فعليّاً هو
وجود النظام ، وأمّا كون المراتب ذات خصوصيّة ذاتيّة - أي خصوصيّة العلّية
والمعلوليّة - فليس العلم بالنسبة إليها فعليّاً ، بل هو شبيهٌ بالانفعاليّ ، وتابعٌ
للمعلوم ( 8 ) .
هامش
1 - الحكمة المتعالية 6 : 384 - 385 .
8 - إنّه بعدما علم : أنّ التفويض - وهو استقلال الممكن في الإيجاد والفاعلية - والجبر - وهو
سلب التأثير عن الموجود ، ومزاولته تعالى للأفعال والآثار مباشرة وبلا وسط - مستحيلان ،
اتّضح سبيل الأمر بين الأمرين ، وهو كون الموجودات الإمكانية مؤثّرات ، لكن
لا بالاستقلال ، وفيها الفاعلية والعلّية والتأثير ، لكن من غير استقلال واستبداد ، وليس في
دار التحقّق فاعل مستقلّ سوى الله تعالى . وسائر الموجودات كما أنّها موجودات
لا بالاستقلال ، بل روابط محضة ، ووجودها عين الفقر والتعلّق ، ومحض الربط والفاقة ،
تكون في الصفات والآثار والأفعال كذلك ، فمع أنّها ذات صفات وآثار وأفعال ، لم تكن
مستقلاّت في شيء منها ، كما تقدّم برهانه .
فمن عرف حقيقة كون الممكن ربطاً محضاً ، عرف أنّ فعله مع كونه فعله ، فعل الله سبحانه ،
فالعالم بما أنّه ربط صرف وتعلّق محض ، ظهور قدرة الله وإرادته وعلمه وفعله ، وهذا عين
المنزلة بين المنزلتين والأمر بين الأمرين .
ولعلّه إليه أشار في قوله - وهو الحقّ - : ( وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمَى ) ؛ حيث أثبت
الرمي من حيث نفاه فقال : " رميت وما رميت " ؛ فإنّ الرمي كونه منه لم يكن بقوّته
واستقلاله ، بل بقوّة الله وحوله . وقوله : ( وَمَا تَشَآءونَ إِلاّ أَنْ يَشَآءَ اللهُ ) فأثبت المشيّة لله
من حيث كونها لهم ، لا بأن يكون المؤثّر شيئين أو فعلين بالاشتراك ، بل بما أنّ مشيّة
الممكن ظهور مشيّته تعالى وعين الربط والتعلّق بها . ( الطلب والإرادة : 36 - 37 ) .
ثمّ إنّ علمه وإرادته تعلّقا بالنظام الكوني على الترتيب العلّي والمعلولي ، ولم يتعلّقا بالعلّة
في عرض معلوله ، وبالمعلول بلا وسط ؛ حتّى يقال : إنّ الفاعل مضطرّ في فعله ، فأوّل ما
خلق الله تعالى هو حقيقة بسيطة روحانية ، بوحدتها كلّ كمال وجمال ، وجفّ القلم بما
هو كائن ، وتمّ القضاء الإلهي بوجوده ، ومع ذلك ، لمّا كان نظام الوجود فانياً في ذاته ذاتاً
وصفة وفعلاً ، يكون كلّ يوم هو في شأن .
فمن عرف كيفية ربط الموجودات على ترتيب سببي ومسبّبي إليه تعالى يعرف أنّها - مع
كونه ظهوره تعالى - تكون ذات آثار خاصّة ، فيكون الإنسان مع كونه فاعلاً مختاراً ظلَّ
الفاعل المختار وفاعليته تعالى ( وَما تَشآءونَ إلاّ أنْ يَشآءَ الله ) .
فتحصّل من جميع ما ذكرنا : أنّ تعلّق إرادته تعالى بالنظام الأتمّ ، لا ينافي كون الإنسان
فاعلاً مختاراً ، كما أنّ كون علمه العنائي منشاءً للنظام الكياني لا ينافيه ، بل يؤكّده ، هذا .
( الطلب والإرادة : 65 ) .
إرشاد : مع أنّ أثر كلّ ذي أثر وفعل كلّ فاعل ، منسوب إلى الله تعالى وإليها - كما عرفت -
لكن خيراتها وحسناتها وكمالاتها وسعاداتها كلّها من الله ، وهو تعالى أولى بها منها ،
وشرورها وسيّئاتها ونقائصها وشقاواتها ترجع إلى نفسها ، وهي أولى بها منه تعالى ؛ فإنّه
تعالى لمّا كان صرف الوجود ، فهو صرف كلّ كمال وجمال ، وإلاّ يلزم عدم كونه صرفاً ، وهو
يرجع إلى التركيب والإمكان ، فالخيرات كلّها مجعولات ، ومبدأ الجعل فيها هو الحقّ
تعالى .
والشرور التي في دار الطبيعة المظلمة ، من تصادمات الماديّات وضيق عالم الطبيعة ،
وكلّها ترجع إلى عدم وجود أو عدم كما له ، والأعدام مطلقاً غير متعلَّقة للجعل ، بل
المضافة منها من لوازم المجعول وتضايق دار البوار وتصادم المسجونين في سجن الطبيعة
وسلاسل الزمان ، فكلّها ترجع إلى الممكن .
فما أصابك من حسنة وخير وسعادة وكمال فمن الله ، وما أصابك من سيّئة وشرّ ونقص
وشقاء فمن نفسك ، لكن لمّا كانت النقائص والشرور اللازمة للوجودات الإمكانية من
قبيل الأعدام المضافة والحدود والماهيات ، كان لها وجود بالعرض ، وما كان كذلك فمن
عند الله ، لكن بالعرض ، فالخيرات من الله بالذات ، ومنسوب إلى الممكنات بالعرض ،
والشرور من الممكنات بالذات ، ومنسوب إليه تعالى بالعرض .
فحينئذ يصحّ أن يقال : كلٌّ من عند الله ؛ فإنّه لولا الإيجاد والإفاضة وبسط الخيرات ، لم
يكن وجود ولا حدّه ولا طبيعة ولا ضيقها ، ولعلّ تغيير الاُسلوب وتخلّل لفظة " عند " في
قوله تعالى : ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) للإشارة إلى المجعولية بالعرض . ( الطلب والإرادة :
38 - 40 ) .