مصلحتها ، تعلّق بها تكليف أو لا ، وإذا تعلّق التكليف بها يصير منسوباً إلى المولى
لأجله ، فيصير ارتكاب شرب الخمر - مضافاً إلى إيصال المكلَّف إلى المفسدة
الذاتيّة - موجباً لمخالفة المولى وخروجِ العبد عن رسم العبوديّة وطريق
الطاعة ، والمتجرّي القاطع بأنّ المائع الكذائيّ خمرٌ يكون شريكاً للعاصي في
الجهة الثانية للعصيان ، لا الاُولى .
فالفعل المتجرّى به يصير قبيحاً لا بعنوانه الذاتيّ ، بل بعنوان عرضيّ ثابت
له بواسطة قطع العبد بكونه متعلّقاً للتكليف . ولا فرق في نظر العقل من هذه
الجهة بين تصادف القطع للواقع وعدمه ، فكما أنّ ارتكاب شرب الخمر المقطوع
به مذمومٌ عند العقلاء ، ويكون خروجاً عن رسم العبوديّة ، وقبيحاً بالعنوان
المنطبق عليه - وهو عنوان مخالفة المولى والجرأة عليه - كذلك الفعل
المتجرّى به من هذه الحيثيّة ، طابق النعل بالنعل .
نعم ، الخمر في ذاتها مع قطع النظر عن تعلّق النهي بها ذات مفسدة ، والماء
المقطوع بكونه خمراً ليس كذلك .
فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّ الفعل المتجرّى به كالعصيان من جهة ، ويفترق عنه
من جهة اُخرى ( 138 ) .
هامش
138 - الظاهر أنّ الفعل المتجرّى به لا يخرج عمّا هو عليه ، ولا يصير فعلاً قبيحاً ولو قلنا بقبح
التجرّي ؛ فإنّ توهّم قبحه لو كان بحسب عنوانه الواقعي فواضح الفساد ؛ فإنّ الفعل
الخارجي أعني شرب الماء ليس بقبيح ، وإن كان لأجل انطباق عنوان قبيح عليه ، فليس
هنا عنوان ينطبق عليه حتّى يصير لأجل ذلك الانطباق متّصفاً بالقبح ؛ فإنّ ما يتصوّر هنا
من العناوين فإنّما هي التجري والطغيان والعزم وأمثالها ، ولكنّ التجرّي وأخويه من
العناوين القائمة بالفاعل ، والمتّصف بالجرأة إنّما هو النفس ، والعمل يكشف عن كون
الفاعل جريئاً ، وليس ارتكاب مقطوع الخمرية نفس الجرأة على المولى ، بل هو كاشف عن
وجود المبدأ في النفس ، وقس عليه الطغيان والعزم ، فإنّهما من صفات الفاعل ، لا الفعل
الخارجي .
وأمّا الهتك والظلم ، فهما وإن كانا ينطبقان على الخارج ، إلاّ أنّك قد عرفت عدم الملازمة
بينهما وبين التجرّي . فتحصل : أنّ الفعل المتجرّى به باق على عنوانه الواقعي ، ولا يعرض
له عنوان قبيح .
نعم ، لو قلنا : بسراية القبح إلى العمل الخارجي الكاشف عن وجود هذه المبادئ في النفس ،
فلا بأس بالقول باجتماع الحكمين لأجل اختلاف العناوين ، ولا يصير المقام من باب
اجتماع الضدّين ؛ فإنّ امتناع اجتماع الضدّين يرتفع باختلاف المورد .
وقد وافاك بما لا مزيد عليه : أنّ مصبّ الأحكام وموضوعاتها إنّما هي العناوين والحيثيات
فلا إشكال لو قلنا : بإباحة هذا الفعل أعني شرب الماء بما أنّه شرب ، وحرمته من أجل
الهتك والتجرّي والطغيان ، فالعنوانان منطبقان على مصداق خارجي ، والخارجي مصداق
لكلا العنوانين ، وهما مصبّان للأحكام على ما أوضحناه في مبحث الاجتماع . ( تهذيب
الاُصول 2 : 91 - 92 ) .