وزان اتحاد الطبيعيّ مع أفراده ، والمغايرة من حيث المفهوم ، كما هو الشأن في
الطبيعيّ مع الأفراد ( 1 ) .
والإشكال عليه تارة : بأنّه ربّما لا نعرف في بعض العلوم ، جهةً مشتركة
متّحدة مع موضوعات المسائل ، كي تكون هي الموضوع للعلم ( 2 ) .
واُخرى : بأنّه مع عدم تشخيص الموضوع ، ربّما تتداخل العلوم في
المسائل ، ولا يعلم أنّها من أيّ علم من العلوم ، وقد تسالم القوم على أنّ تمايز
العلوم بالموضوعات .
مندفع :
أمّا الأوّل : فبأنّه لابدّ وأن تكون بين المسائل جهة مشتركة سارية في
جميع موضوعات مسائل كلّ فن من الفنون ، وهذه هي موضوع العلم وإن لم نعرف
اسمها ؛ إذ الأسماء لادخل لها في المعاني .
وأمّا الثاني : فبأنّه لا نسلّم هذا التسالم ، بل نقول في قبالهم : إنّ تمايز
العلوم بتمايز الأغراض ، لا الموضوعات ، وكلّ مسألة دخيلة في غرض المدوّن ،
تكون لا محالة من مسائل العلم المدوَّن ( 2 ) .
هامش
1 - كفاية الاُصول : 22 .
2 - نهاية الأفكار 1 : 9 - 11 .
2 - إنّ كلّ علم عبارة عن عدّة قضايا مرتبطة تجمعها خصوصية بها يترتّب عليها غرض واحد
وفائدة واحدة بالوحدة السنخية . ووحدة العلم - كوجوده - اعتبارية لا حقيقية ؛ ضرورة
امتناع حصول الوحدة الحقيقية المساوقة للوجود الحقيقي للقضايا المتعدّدة ؛ لأنّ المركّب
من الشيئين أو الأشياء لا يكون موجوداً آخر غير الأجزاء ، اللهمّ إلاّ المركّب الحقيقي
الحاصل من الكسر والانكسار المتحصّلة منهما صورة غير صورة الأجزاء .
ولا إشكال في أنّ العلوم كلّها - عقليّة كانت أو غيرها - إنّما نشأت من النقص إلى الكمال ،
فكلّ علم لم يكن في أوّل أمره إلاّ قضايا معدودة ، لعلّها لم تبلغ عدد الأصابع ، فأضاف إليها
الخلف بعد السلف ، وكم ترك الأوّل للآخر ، والفرط للتابع . ( مناهج الوصول 1 : 35 - 36 ) .
ثمّ إنّ منشأ الوحدة في العلوم هو سنخية قضاياها المتشتّتة ، ومنشأ امتيازها هو اختلاف
ذاتها وسنخ قضاياها ، ولا يمكن أن يكون ما به اختلافها وامتيازها هو الأغراض أو الفوائد
المترتّبة عليها ؛ لتأخّرها رتبة عن القضايا ، فمع عدم امتيازها لا يمكن أن يترتّب عليها
فوائد مختلفة .
نعم ، قد تتداخل العلوم في بعض القضايا ؛ بمعنى أن تكون لقضيّة واحدة فائدة أدبية مثلاً
يبحث الأديب عنها لفائدتها الأدبية ، والاُصولي لفهم كلام الشارع ، كبعض مباحث
الألفاظ ، فالاُصولي والأديب يكون غرضهما فهم كون " اللام " للاستغراق ، و " ما " و " إلاّ "
للحصر ، لكن يكون ذلك هو الغرض الأقصى للأديب بما أنّه أديب ، أو يكون أقصى مقصده
أمراً أدبياً ، وللاُصولي غرض آخر ، هو فهم كلام الشارع لتعيين تكليف العباد .
وتداخل العلوم في بعض المسائل لا يوجب أن تكون امتيازها بالأغراض ، بما أنّها واحدة
بالوحدة الاعتبارية ؛ فإنّ المركّب من مسائل شتّى إذا اختلف مع مركّب آخر بحسب
مسائله ، واتّحد معه في بعضها ، يكون مختلفاً معه بما أنّه واحد اعتباري ذاتاً ، خصوصاً
إذا كان التداخل قليلاً ، كما أنّ الأمر كذلك في العلوم .
فتحصّل ممّا ذكر : أنّ اختلاف العلوم إنّما يكون بذاتها ، لا بالأغراض والفوائد ؛ فإنّه غير
معقول . ( مناهج الوصول 1 : 43 - 44 ) .