الواقع ، والمجهول لدى المكلّف ، مرفوعٌ تعبّداً وفي عالم التشريع .
وقس على ذلك موارد الأمارات وسائر الاُصول ؛ فإنّ ظاهرها كون الحكم
الواقعي مطلقاً لمورد الشكّ ، ولا يمكن تقييد الأدلّة الواقعيّة بالأدلّة الظاهريّة ؛
فإنّ المقيّد والمطلق لابدّ وأن يردا على موضوع واحد ، فإنّهما من أقسام التعارض
وإن كان أحدهما مقدّماً - بحسب الظهور - على الآخر ؛ لأنّ دليل المطلق ظاهرٌ في
كونه تمام الموضوع للحكم ، ودليلَ المقيّد ظاهرٌ في دخالة القيد فيتعارضان ،
لكن ظهور المقيّد في دخالة القيد أقوى من ظهور المطلق في تماميّة
الموضوعيّة ، فيقدّم عليه .
وبالجملة : إنّ المطلق والمقيّد لابدّ وأن يردا على موضوع واحد حتّى
يتحقّق التعارض ، ولمّا كانت أدلّة الأحكام الظاهريّة في طول الأحكام الواقعيّة ،
ومتأخرة عنها برتبتين - لأنّ الشكّ فيها مأخوذ في موضوعها - فلا يمكن تقييدها
بها ؛ لعدم ورودهما على موضوع واحد ، ولا يمكن تجافي أحدهما عن موطنه .
قلت : لا محيص عمّا ذكرت ؛ فإنّه حقٌّ لا مرية فيه ، إلاّ أنّه مع ذلك يكون
بين الأدلّة الواقعيّة والظاهريّة تناف وتعارض لابدّ من رفعه ؛ فإنّ الزجر الفعلي
عن شرب الخمر مثلاً حتّى في زمان الشكّ ، مع الترخيص الفعلي بشربه ، متنافيان ،
وكذلك الأمر الفعلي بإتيان الجزء والشرط مع الترخيص الفعلي لدى الشكّ
متنافيان ، ولا مناص إلاّ بالالتزام بكون الأحكام الواقعيّة إنشائيّة ؛ بمعنى أنّ
الحكم المنشأ يكون مطلقاً شاملاً لحال العلم والجهل ، لئلاّ يلزم الدّور المستحيل .
ولكن فعليّة الحكم تكون مختصّةً بحال العلم ؛ جمعاً بين الأدلّة الواقعيّة
والظاهريّة ، ولا يمكن الالتزام بفعليّة الأحكام الواقعيّة ( 23 ) .
هامش
23 - لا إشكال في عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها ، كما أنّ الخطابات الشرعية
متعلّقة بعناوين محفوظة في حال العلم والجهل ، فإنّ الحرمة قد تعلّقت بذات الخمر ،
والوجوب تعلّق بذات الصلاة من غير تقيّد بالعلم والجهل ، فهي بحسب المفاد شاملة
للعالم والجاهل ، كما لا يخفى .
فالخطابات - كما عرفت - وإن لم تكن مقيّدة بحال العلم ، ولا مختصّة بالعالم بها ، ولكن
هنا أمر آخر ، وهو : أنّ الخطابات إنّما تتعلّق بالعناوين وتتوجّه إلى المكلّفين ؛ لغرض
انبعاثهم نحو المأمور به ، ولتحريكها إيّاهم نحوه ، ولا إشكال في أنّ التكليف والخطاب
بحسب وجوده الواقعي لا يمكن أن يكون باعثاً وزاجراً ؛ لامتناع محرّكية المجهول ، وهذا
واضح جدّاً .
فالتكاليف إنّما تتعلّق بالعناوين وتتوجّه إلى المكلّفين ؛ لكي يعلموا فيعملوا ، فالعلم
شرط عقلي للباعثية والتحريك ، فلمّا كان انبعاث الجاهل غير ممكن ، فلا محالة تكون
الإرادة قاصرة عن شمول الجاهلين ، فتصير الخطابات بالنسبة إليهم أحكاماً إنشائية . وإن
شئت قلت : إنّ لفعلية التكليف مرتبتين :
أحداهما : الفعلية التي هي قبل العلم ، وهي بمعنى تمامية الجهات التي من قبل المولى ،
وإنّما النقصان في الجهات التي من قبل المكلّف ، فإذا ارتفعت الموانع التي من قبل العبد ،
يصير التكليف تامّ الفعلية ، وتنجّز عليه .
وثانيتهما : الفعلية التي هي بعد العلم وبعد رفع سائر الموانع التي تكون من قبل العبد ، وهو
التكليف الفعلي التامّ المنجّز . ( أنوار الهداية 1 : 199 - 200 ) .
إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات سهل لك سبيل الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية ؛
فإنّه لابدّ من الالتزام بأنّ التكا ليف الواقعية مطلقاً سواء كانت في موارد قيام الطرق
والأمارات ، أو في موارد الاُصول مطلقاً ، فعلية بمعناها الذي قبل تعلّق العلم ، ولا إشكال
في أنّ البعث والزجر الفعليين غير محقّقين في موارد الجهل بها ؛ لامتناع البعث والتحريك
الفعليين بالنسبة إلى القاصرين ، فالتكاليف بحقائقها الإنشائية والفعلية التي من قبل
المولى - بالمعنى الذي أشرنا إليه - تعمّ جميع المكلّفين ، ولا تكون مختصّة بطائفة دون
طائفة ، لكن الإرادة قاصرة عن البعث والزجر الفعلي بالنسبة إلى القاصرين .
فإذا كان التكليف قاصراً عن البعث والزجر الفعليين بالنسبة إليهم ، فلا بأس بالترخيص
الفعلي على خلافها ، ولا امتناع فيه أصلاً ، ولا يلزم منه اجتماع الضدّين أو النقيضين أو
المثلين وأمثالها .
فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّ الأحكام الواقعية والخطابات الأوّلية - بحسب الإنشاء والجعل ،
وبحسب الفعلية التي قبل العلم - عامّة لكلّية المكلّفين جاهلين كانوا أو عالمين ، لكنّها
قاصرة عن البعث والزجر الفعليين بالنسبة إلى الجهّال منهم ، ففي هذه المرتبة التي هي
مرتبة جريان الأصل العقلي ، لا بأس في جعل الترخيص . ( أنوار الهداية 1 : 199 - 200 ) .