تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات الاُصول إفادات آية الله العظمى البروجردي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الواقع ، والمجهول لدى المكلّف ، مرفوعٌ تعبّداً وفي عالم التشريع . وقس على ذلك موارد الأمارات وسائر الاُصول ؛ فإنّ ظاهرها كون الحكم الواقعي مطلقاً لمورد الشكّ ، ولا يمكن تقييد الأدلّة الواقعيّة بالأدلّة الظاهريّة ؛ فإنّ المقيّد والمطلق لابدّ وأن يردا على موضوع واحد ، فإنّهما من أقسام التعارض وإن كان أحدهما مقدّماً - بحسب الظهور - على الآخر ؛ لأنّ دليل المطلق ظاهرٌ في كونه تمام الموضوع للحكم ، ودليلَ المقيّد ظاهرٌ في دخالة القيد فيتعارضان ، لكن ظهور المقيّد في دخالة القيد أقوى من ظهور المطلق في تماميّة الموضوعيّة ، فيقدّم عليه . وبالجملة : إنّ المطلق والمقيّد لابدّ وأن يردا على موضوع واحد حتّى يتحقّق التعارض ، ولمّا كانت أدلّة الأحكام الظاهريّة في طول الأحكام الواقعيّة ، ومتأخرة عنها برتبتين - لأنّ الشكّ فيها مأخوذ في موضوعها - فلا يمكن تقييدها بها ؛ لعدم ورودهما على موضوع واحد ، ولا يمكن تجافي أحدهما عن موطنه . قلت : لا محيص عمّا ذكرت ؛ فإنّه حقٌّ لا مرية فيه ، إلاّ أنّه مع ذلك يكون بين الأدلّة الواقعيّة والظاهريّة تناف وتعارض لابدّ من رفعه ؛ فإنّ الزجر الفعلي عن شرب الخمر مثلاً حتّى في زمان الشكّ ، مع الترخيص الفعلي بشربه ، متنافيان ، وكذلك الأمر الفعلي بإتيان الجزء والشرط مع الترخيص الفعلي لدى الشكّ متنافيان ، ولا مناص إلاّ بالالتزام بكون الأحكام الواقعيّة إنشائيّة ؛ بمعنى أنّ الحكم المنشأ يكون مطلقاً شاملاً لحال العلم والجهل ، لئلاّ يلزم الدّور المستحيل . ولكن فعليّة الحكم تكون مختصّةً بحال العلم ؛ جمعاً بين الأدلّة الواقعيّة والظاهريّة ، ولا يمكن الالتزام بفعليّة الأحكام الواقعيّة ( 23 ) .
هامش
23 - لا إشكال في عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها ، كما أنّ الخطابات الشرعية متعلّقة بعناوين محفوظة في حال العلم والجهل ، فإنّ الحرمة قد تعلّقت بذات الخمر ، والوجوب تعلّق بذات الصلاة من غير تقيّد بالعلم والجهل ، فهي بحسب المفاد شاملة للعالم والجاهل ، كما لا يخفى . فالخطابات - كما عرفت - وإن لم تكن مقيّدة بحال العلم ، ولا مختصّة بالعالم بها ، ولكن هنا أمر آخر ، وهو : أنّ الخطابات إنّما تتعلّق بالعناوين وتتوجّه إلى المكلّفين ؛ لغرض انبعاثهم نحو المأمور به ، ولتحريكها إيّاهم نحوه ، ولا إشكال في أنّ التكليف والخطاب بحسب وجوده الواقعي لا يمكن أن يكون باعثاً وزاجراً ؛ لامتناع محرّكية المجهول ، وهذا واضح جدّاً . فالتكاليف إنّما تتعلّق بالعناوين وتتوجّه إلى المكلّفين ؛ لكي يعلموا فيعملوا ، فالعلم شرط عقلي للباعثية والتحريك ، فلمّا كان انبعاث الجاهل غير ممكن ، فلا محالة تكون الإرادة قاصرة عن شمول الجاهلين ، فتصير الخطابات بالنسبة إليهم أحكاماً إنشائية . وإن شئت قلت : إنّ لفعلية التكليف مرتبتين : أحداهما : الفعلية التي هي قبل العلم ، وهي بمعنى تمامية الجهات التي من قبل المولى ، وإنّما النقصان في الجهات التي من قبل المكلّف ، فإذا ارتفعت الموانع التي من قبل العبد ، يصير التكليف تامّ الفعلية ، وتنجّز عليه . وثانيتهما : الفعلية التي هي بعد العلم وبعد رفع سائر الموانع التي تكون من قبل العبد ، وهو التكليف الفعلي التامّ المنجّز . ( أنوار الهداية 1 : 199 - 200 ) . إذا عرفت ما ذكرنا من المقدّمات سهل لك سبيل الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية ؛ فإنّه لابدّ من الالتزام بأنّ التكا ليف الواقعية مطلقاً سواء كانت في موارد قيام الطرق والأمارات ، أو في موارد الاُصول مطلقاً ، فعلية بمعناها الذي قبل تعلّق العلم ، ولا إشكال في أنّ البعث والزجر الفعليين غير محقّقين في موارد الجهل بها ؛ لامتناع البعث والتحريك الفعليين بالنسبة إلى القاصرين ، فالتكاليف بحقائقها الإنشائية والفعلية التي من قبل المولى - بالمعنى الذي أشرنا إليه - تعمّ جميع المكلّفين ، ولا تكون مختصّة بطائفة دون طائفة ، لكن الإرادة قاصرة عن البعث والزجر الفعلي بالنسبة إلى القاصرين . فإذا كان التكليف قاصراً عن البعث والزجر الفعليين بالنسبة إليهم ، فلا بأس بالترخيص الفعلي على خلافها ، ولا امتناع فيه أصلاً ، ولا يلزم منه اجتماع الضدّين أو النقيضين أو المثلين وأمثالها . فتحصّل ممّا ذكرنا : أنّ الأحكام الواقعية والخطابات الأوّلية - بحسب الإنشاء والجعل ، وبحسب الفعلية التي قبل العلم - عامّة لكلّية المكلّفين جاهلين كانوا أو عالمين ، لكنّها قاصرة عن البعث والزجر الفعليين بالنسبة إلى الجهّال منهم ، ففي هذه المرتبة التي هي مرتبة جريان الأصل العقلي ، لا بأس في جعل الترخيص . ( أنوار الهداية 1 : 199 - 200 ) .