عرف صلَّى اللَّه عليه وآله من جهة الوحي أنّ داء أخيه ممّا ينفعه العسل ، فالتنكير في « شفاء » إمّا للتبعيض أو للتكثير مبالغة فيدل على الأكثريّة الكليّة . 3 - في الآية إيماء إلى جواز العلاج من الأمراض فإنّ إباحة الخاصّ لعلَّة تستلزم إباحة خاصّ آخر توجد فيه تلك العلَّة إلَّا ما ورد فيه النهي كقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : لا شفاء في محرّم . وهنا فوائد : 1 - الوحي هنا بمعنى الإلهام وقد يقال بمعنى الإشارة كقوله « فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً » ( 1 ) » وبمعنى الاسرار كقوله : « يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً » ( 2 ) والوحي الحقيقيّ وحي النبوّة ، والجامع لهذه المعاني كلَّها إلقاء شيء إلى الغير على وجه السرّ . 2 - « من » في : « مِنَ الْجِبالِ » للتبعيض أي بعض الجبال ، وبعض الشجر ، وبعض ما يعرشون : أي يسقّفون وسمّى ما تبنيه بيتا تشبيها له ببيت الإنسان ، لما فيه من حسن الصنعة وصحّة القسمة الَّتي لا يقوى عليها حذّاق المهندسين ، والثمرات : الأزهار والأنوار ، فإنّ الثمرة اسم لكلّ فائدة يحصل من الشجرة للإنسان أو غيره وقد يستدلّ بذلك على جواز المساقاة شرعا على ما لا فائدة له إلَّا الورق والزهر والنّور ، لصدق الثمرة عليه ، وقوله : « فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً » أي طرقا موصلة لمأكولك إلى صورة العسل وفيه دلالة على كونه تعالى يفعل بالسبب أو طرقا توصلك إلى الأزهار و : « ذُلُلاً » جمع ذلول أي الموطَّأة للسلوك ، وقال قتادة إنّها صفة للنحل أو حال عن الضمير في « اسلكي » أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به . 3 - « يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها » فيه التفات عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه في محلّ الانعام عليهم ، قوله : « شَرابٌ » احتجّ به من قال أنّ النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة ، فيستحيل في باطنها عسلا ثمّ تقيئه ادّخارا للشتاء ومنهم من زعم أنّها تلتقط بأفواهها أجزاء طيّبة حلوة صغيرة متفرّقة على الأوراق
كنز العرفان في فقه القرآن — صفحة 315
مساهمون: المقداد السيوري
ص٣١٥
هامش
( 1 ) مريم : 11 .
( 2 ) الانعام : 112 .