نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة - وفي لفظ : يوما - في المسجد الحرام . قال : « فأوف بنذرك » ( 1 ) .
الاعتكاف : الإقامة واللبث . وفي هذا الحديث دليل على أن الاعتكاف يصح بلا صوم ، ويصح في الليل وحده ، وهذا قول أحمد والشافعي . وعن أحمد رواية أخرى : أنه لا يصح ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ( 2 ) .
فإن قال قائل : نذر الكافر مطرح ، فكيف أثبت له الرسول حكما ؟
فالجواب : أن أصحابنا اختلفوا في هذا ، فمنهم من منع وقال : متى كان نذر الكافر على وفاق حكم الإسلام فهو صحيح . ومنهم من تأول فقال : معنى قوله : في الجاهلية ، أي ونحن بمكة قبل فتحها وأهلها جاهلية ، فعلى هذا لا يكون ناذرا في الكفر . ثم إن عندنا وعند الشافعي أن يمين الكافر صحيحة ، وإذا حنث وجبت عليه الكفارة ، خلافا لأبي حنيفة ( 3 ) . قال الخطابي : إذا جاز إيلاء الكافر وأخذ بحكمه في الإسلام جازت يمينه وظهاره ( 4 ) .
وقد روى هذا الحديث ابن عمر فقال فيه : إني نذرت أن أعتكف . قال : « اذهب فاعتكف » ( 5 ) فعلى هذا اللفظ إنما أمره بالاعتكاف ، لا على أن النذر لازم .
هامش
( 1 ) البخاري ( 2032 ) ، ومسلم ( 1656 ) .
( 2 ) ينظر « الأعلام » ( 2 / 990 ) ، و « البدائع » ( 3 / 109 ) ، و « المغني » ( 4 / 459 ) ، و « المجموع » ( 6 / 487 ) و « جواهر الإكليل » ( 1 / 156 ) .
( 3 ) ينظر « البدائع » ( 5 / 82 ) ، و « المغني » ( 13 / 436 ) .
( 4 ) « المعالم » ( 2 / 143 ) .
( 5 ) مسلم ( 1656 ) .