والفلك
التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله
من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها
من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين
السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) - البقرة 164 - .
فإنها ترشد
إلى ما في هذه الآثار من دلالة عقلية على وجود
مؤثرها .
وطريقة
الاستدلال بالآثار على المؤثر أو بحدوث العالم على
صانعه ، هي الطريق الذي سلكه أبو الأنبياء إبراهيم
الخليل ( ع ) لاثبات الألوهية لله تعالى ، كما حكاه
القران الكريم في الآيات التاليات
( وكذلك
نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من
الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا
ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر
بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي
لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال
هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم اني برئ مما
تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض
حنيفا وما انا من المشركين ) - الانعام 75 - 79 .
قال
الزمخشري في الكشاف : والمعنى : ومثل ذلك التعريف
والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت السماوات
والأرض - يعني الربوبية والإلهية - ونوقفه لمعرفتها
ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره وهديناه لطريق
الاستدلال - وليكون من الموقنين - فعلنا ذلك ،
و ( نري ) حكاية حال ماضية ، وكان أبوه آزر وقومه يعبدون
الأصنام والشمس والقمر والكواكب ، فأراد ان ينبههم
على الخطأ في دينهم ، وأن يرشدهم إلى طريق النظر
والاستدلال ، ويعرفهم ان النظر الصحيح مؤد إلى أن
شيئا منها لا يصح ان يكون إلها لقيام دليل الحدوث
فيها ، وإن وراءها محدثا أحدثها وصانعا صنعها
ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقال مسيرها وسائر
أحوالها ( 1 ) .
ودليل
الحدوث فيها الذي أشار اليه الزمخشري هو الأفول
الذي هو الغيبة المستلزمة للحركة ، المستلزمة
للحدوث ، المستلزم للصانع تعالى ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الكشاف 2 / 31 - 32 .
( 2 ) النافع يوم الحشر 13 .