فالكلام
تمثيل لافاضته تعالى وجود الشئ من غير حاجة إلى
شئ آخر وراء ذاته المتعالية ، ومن غير تخلف ولا مهل .
وبه يظهر
فساد ما ذكره بعضهم حيث قال : الظاهر أن هناك قولا
لفظيا هو لفظ ( كن ) ، واليه ذهب معظم السلف ، وشؤون
الله تعالى وراء ما تصل اليه الافهام ، فدع عنك
الكلام والخصام ، انتهى .
وذلك أن ما
ذكره من كون شؤونه تعالى وراء طور الافهام ، لو أبطل
الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية
من أصلها ، فصحة الكتاب ، مثلا ، بما يفيده من
المعارف الحقيقية انما تثبت بالحجة العقلية ، فلو
بطلت الحجة العقلية بكتاب - أو سنة أو شئ آخر ، مما
يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلا لنفسه
أولا ، فلا تزل قدم بعد ثبوتها .
ومن
المعلوم أن ليس هناك الا الله عز اسمه ، والشئ
الذي يوجد لا ثالث بينهما .
واسناد
العلية والسببية إلى ارادته دونه تعالى ، والإرادة
صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل - يستلزم انقطاع
حاجة الأشياء اليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء
الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس .
ومن
المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى
ايجادا أو وجودا ، ثم يتصل بالشئ فيصير به
موجودا ، وهو ظاهر ، فليس بعده تعالى الا وجود الشئ
فحسب .
ومن هنا
يظهر ان كلمة الايجاد وهي كلمة ( كن ) هي وجود الشئ
الذي أوجده ، لكن بما أنه منتسب اليه قائم به ، وأما
من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا ايجاد ،
ومخلوق لا خلق .
ويظهر
أيضا ان الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا
نظرة ، ولا يتحمل تبدلا ولا تغيرا ، ولا يتلبس
بتدريج .
وما يتراءى
في الخلق من هذه الأمور انما يتأتى في الأشياء من
ناحية نفسها ، لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه ،
وهذا باب ينفتح منه ألف باب .
خلاصة علم الكلام — صفحة 133
مساهمون: الشيخ عبد الهادي الفضلي
ص١٣٣