يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لأجل « إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ( 2 ) » ، أي : الرحلة في الشّتاء إلى اليمن ، وفي الصّيف إلى الشّام فيمتارون ويتّجرون . أو بمحذوف ، مثل أعجبوا . أو بما قبله ، كالتّضمين ( 1 ) في الشّعر : أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش . ويؤيّده أنّهما في مصحف أبيّ سورة واحدة .
وقرئ ( 2 ) : « ليألف قريش إلفهم رحلة الشّتاء » .
و « قريش » ولد النّضر بن كنانه ، منقول من تصغير « قريش » وهو دابّة عظيمة في البحر تبعث بالسّفن فلا تطاق إلَّا بالنّار ، فشبّهوا ( 3 ) بها . لأنّها تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى . وصغّر الاسم ، للتّعظيم . وإطلاق الإيلاف ثمّ إبدال المقيّد عنه ، للتّفخيم .
وقرأ ( 4 ) ابن عامر : « لئلاف » بغير ياء بعد الهمزة .
يَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) » « الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ » ، أي :
بالرّحلتين . والتّنكير ، للتّعظيم .
وقيل ( 5 ) : المراد به : شدّة أكلوا فيها الجيف والعظام .
« وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 4 ) » : خوف أصحاب الفيل . أو التّخطَّف في بلدهم ومسايرهم . أو الجذام ، فلا يصيبهم ببلدهم .
وفي تفسير عليّ بن إبراهيم ( 6 ) : [ « لإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ » ] ( 7 ) قال : نزلت في قريش . لأنّه كان معاشهم من الرّحلتين ، رحلة في الشّتاء إلى اليمن ورحلة في الصّيف إلى الشّام . وكانوا يحملون من مكّة الأدم واللَّبّ ( 8 ) وما يقع من ناحية البحر من الفلفل وغيره ، فيشترون بالشّام الثّياب والدّرمك ( 9 ) والحبوب . وكانوا يتألَّفون في طريقهم ، ويثبّتون في الخروج في كلّ خرجة رئيسا من رؤساء قريش ، وكان معاشهم من ذلك .
هامش
1 - التضمين هو أن يضمّن الشّعر شيئا من شعر الغير . ولا يخفى أنّ هذا المعنى لا يتحقّق في القرآن من وجهين : فوجه الشبه بين تعليق هذه السورة بما قبلها ، والتضمين أنّ في كلّ منهما وصل كلام ظاهر الانفصال عمّا قبله به .
2 - أنوار التنزيل 2 / 577 .
3 - كذا في نفس المصدر والموضع . وفي النسخ زيادة : فسمّوا .
4 و 5 - نفس المصدر والموضع .
6 - تفسير القمّي 2 / 444 .
7 - ليس في ق ، ش ، م .
8 - المصدر : اللَّباس .
9 - الدّرمك : الدّقيق الحواري ، أي : الدّقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق .