قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه ، قال النابغة الذبياني « 1 » :
كأنك من جمال بني أقيش
يقعقع بين رجليه بشن
وقوله : ولقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن . والذكاء على ضربين : أحدهما تمام السن والآخر حدّة القلب ، فما جاء في تمام السن قول قيس « 2 » بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب وقول زهير « 3 » :
يفضله إذا اجتهدا عليه
تمام السن منه والذكاء
وقوله : فعجم عيدانها عودا عودا : أي مضغها لينظر أيها أصلب . يقال : عجمت العود إذا مضغته وعضضته والمصدر العجم . يقال : عجمه عجما ، ويقال لنوى كل شيء عجم بفتح الجيم ومن سكن فقد أخطأ قال الأعشى :
وجذعانها كلقيط العجم وقوله : طالما أوضعتم في الفتنة : الإيضاع ضرب من السير وله أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل . قال ابن خلكان : ولما حضرته الوفاة أحضر منجما وقال : هل ترى في علمك أن ملكا يموت ؟ قال : نعم ، ولست هو . قال وكيف ذلك ؟ قال : لأن الملك الذي يموت اسمه كليب . فقال الحجاج : أنا هو واللَّه بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك وكان ينشد في مرضه :
يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا
أيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويحهم
ما ظنهم بعظيم العفو غفار « 4 »
وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في خلافة الوليد بواسط ، ودفن بها ، وعفا قبره وأجري عليه الماء ولما مات لم يعلم بموته ، حتى خرجت جارية من قصره وهي تقول :
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا
واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
فعلم بموته . وقال الحافظ الذهبي وابن خلكان وغيرهما : أحصي من قتله الحجاج صبرا ، سوى من قتل في حروبه ، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا . وكذا رواه الترمذي في جامعه . ومات في حبسه خمسون ألف رجل ، وثلاثون ألف امرأة ، منهن ستة عشر ألفا مجردات . وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد . وعرضت سجونه بعده ، فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع ولا صلب . وقال الحافظ ابن عساكر : إن سليمان بن عبد الملك ، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين . ويقال : إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا . ويقال : إنه
هامش
« 1 » النابغة الذبياني : زياد بن معاوية شاعر جاهلي فحل . والبيت في ديوانه : 190 .
« 2 » قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي ، من العقلاء ، مات سنة 10 ه - .
« 3 » زهير هو الشاعر زهير بن أبي سلمى ، الحكيم الجاهلي . والبيت في ديوانه 16 .
« 4 » البيت وما قبله في وفيات الأعيان : 2 / 53 منسوبان إلى عبيد بن سفيان العكلي . وفي البيت الثاني : « ما ظنهم بقديم » .