روحا ، فدخل على عبد الملك وقال : يا أمير المؤمنين انظر ماذا جرى علي اليوم من الحجاج ! فقال :
وما ذاك ؟ قال : قتل غلماني وعرقب خيلي وأحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج ، فلما حضر قال له عبد الملك : ويلك ماذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين إن يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين ، والفرس فرسين ، والفسطاط فسطاطين ، ولا يسكرني في العسكر . فقال له : افعل ، فتم للحجاج ما يريد وقوي من ذلك اليوم أمره ، وعظم شره . وكان هذا أول ما عرف من كفاءته . وللحجاج أخبار كثيرة وخطب بليغة : قال المبرد في الكامل : حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال : بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة ، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة ، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ قيل : قدم الحجاج أميرا على العراق ، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه ، متقلدا سيفا متنكبا قوسا ، يؤم المنبر فمال الناس نحوه ، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض : قبح اللَّه بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق ! فقال عمير بن ضابىء البرجمي « 1 » : ألا أحصبه لكم ؟ فقيل : أمهل حتى ننظر . فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه ، حسر اللثام عن وجهه ونهض قائما ثم حمد اللَّه وأثنى عليه وصلَّى على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال « 2 » :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها ، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى .
هذا أوان الشر فاشتدي زيم
قد لفها الليل بسواق حطم « 3 »
ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم
ثم قال :
قد لفها الليل بعصلبي
أروع خراج من الدوي « 4 »
مهاجر ليس بأعرابي
معاود للطعن بالخطَّي « 5 »
ثم قال أيضا :
قد شمرت عن ساقها فشدوا
وجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وترعردّ
مثل ذراع البكر أو أشد
هامش
« 1 » هو عمير بن ضابىء بن الحارث البرجمي ، شاعر ، من سكان الكوفة ، وكان من الذين حاصروا عثمان بن عفان ، وعلم الحجاج ذلك فأمر به فقتل سنة 75 ه - .
« 2 » البيت في وفيات الأعيان : 1 / 165 ونسبته إلى سحيم بن وثيل الرياحي .
« 3 » الزّيم : الغارة . واسم فرس . والشطر الأول يجري مجرى المثل . جمهرة الأمثال : 2 / 284 .
« 4 » عصلبي : من العصلوب وهو القوي .
« 5 » الخطي : الرمح .