من تريانه ؟ قلنا : ما ندري إلاّ ظناً . قال : وما تظنان ؟
قلنا : عساك تريد القوم الّذين أرادوا أبا بكر صرف هذا الأمر عنك .
قال : كلا والله بل أكن أبو بكر أعق ( 1 ) ، وهو الذي سألتما عنه .
كان والله أحسد قريش كلها ، ثم أطرق طويلاً ، فنظر المغيرة إليّ ،
ونظرت إليه ، وأطرقنا مليا لإطراقه ، وطال السكوت منا ومنه ، حتى ظننا
أنه قد ندم على ما بدا منه ثم قال :
والهفا على ضئيل ( 2 ) بني تميم بن مرة ! لقد تقدمني ظالماً ، وخرج منها
إليّ آثماً .
فقال المغيرة :
أما تقدمه عليك يا أمير المؤمنين ظالماً فقد عرفناه ، كيف خرج إليك
منها آثماً ؟ !
قال : ذاك لأنه لم يخرج إليّ منها ، إلاّ بعد يأس منها .
أما والله لو كنت أطعت يزيد بن الخطاب ، وأصحابه لم يتلمظ ( 3 )
وأبرمت ( 4 ) فلم أجد إلاّ الإغضاء على ما نشب به ( 5 ) منها ، والتلهّف على
هامش
( 1 ) عقق : كعمر ، وجمع عاق ، عُققه . مثل كافر ، وكفرة . ( وفي الحديث ) : ذو عقق . أي ذو
جزاء فعلك : يا عاق . مختار الصحاح : مادة عقق .
( 2 ) الضئيل : النحيفُ الدقيق . النهاية في غريب الحديث : 3 / 69 .
( 3 ) قال ابن الأثير : وفي حديث أنس " فجعل الصّبي يتلمّظ " أي يدير لسانه في فيه
ويحركه يتتبع أثر التمر ، واسم ما يبقى في الفم من أثر الطعام : لماظة ، النهاية : 4 / 271 .
( 4 ) أبرمت الشيء ، أي أحكمته . صحاح اللغة : 5 / 1870 .
( 5 ) نشب منشب سوء ، وقع فيما لا نجاة منه . لا روس : المعجم العربي الحديث :
ص 1205 .