وفي الآية تعريف الهداية بلازمها وهو شرح الصدر وجعله على نور من ربه ، وتعريف الضلال بلازمه وهو قساوة القلب من ذكر اللّه .
وقد تقدم في تفسير قوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
الآية ( الأنعام / 125 ) كلام في معنى الهداية فراجع .
قوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
إلى آخر الآية كالإجمال بعد التفصيل بالنسبة إلى الآية السابقة بالنظر إلى ما يتحصل من الآية في معنى الهداية وان كانت بيانا لهداية القرآن .
فقوله :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
هو القرآن الكريم والحديث هو القول كما في قوله تعالى :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ
( الطور / 34 ) ، وقوله :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( المرسلات / 50 ) فهو أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو كلامه المجيد .
وقوله :
كِتاباً مُتَشابِهاً
أي يشبه بعض أجزائه بعضا وهذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب وهذا صفة الجميع .
وقوله :
مَثانِيَ
جمع مثنية بمعنى المعطوف لانعطاف بعض آياته على بعض ورجوعه اليه بتبين بعضها ببعض وتفسير بعضها لبعض من غير اختلاف فيها بحيث يدفع بعضه بعضا ويناقضه كما قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( النساء / 82 ) .
وقوله :
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
صفة الكتاب وليس استئنافا ، والاقشعرار تقبض الجلد تقبضا شديدا لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته ، وليس ذلك إلا لأنهم على تبصر من موقف نفوسهم قبال عظمة ربهم فإذا سمعوا كلامه توجهوا إلى ساحة العظمة والكبرياء فغشيت قلوبهم الخشية وأخذت جلودهم في الاقشعرار .