الحوت مرجوح لا ينبغي أن يصار اليه .
على أن تسبيحه مع اعترافه بالظلم في قوله :
« سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
- على ما سيجيء - تسبيح له تعالى عما كان يشعر به « 1 » فعله من ترك قومه وذهابه على وجهه ، وقوله :
« فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ »
الخ ؛ يدل على أن تسبيحه كان هو السبب المستدعي لنجاته ، ولازم ذلك أن يكون إنما ابتلي بما ابتلى به لينزهه تعالى فينجو بذلك من الغم الذي ساقه اليه فعله إلى ساحة العافية .
وبذلك يظهر أن العناية في الكلام إنما هي بتسبيحه في بطن الحوت خاصة فخير الأقوال الثلاثة أوسطها .
فالظاهر أن المراد بتسبيحه نداؤه في الظلمات بقوله :
« لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ »
وقد قدم التهليل ليكون كالعلة المبينة لتسبيحه كأنه يقول : لا معبود بالحق يتوجه اليه غيرك فأنت منزه مما كان يشعر به فعلى أني آبق منك معرض عن عبوديتك متوجه إلى سواك اني كنت ظالما لنفسي في فعلى فها أنا متوجه إليك متبرئ مما كان يشعر به فعلى من التوجه عنك إلى غيرك .
فهذا معنى تسبيحه ولولا ذلك منه لم ينج أبدا إذ كان سبب نجاته منحصرا في التسبيح والتنزيه بالمعنى الذي ذكر .
وبذلك يظهر أن المراد بقوله :
« لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ »
تأبيد مكثه في بطنه إلى أن يبعث فيخرج منه كالقبر الذي يقبر فيه الإنسان ويلبث فيه حتى يبعث فيخرج منه قال تعالى :
مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
( طه / 55 ) .
ولا دلالة في الآية على كونه عليه السّلام على تقدير اللبث حيا في بطن الحوت إلى يوم يبعثون أو
هامش
( 1 ) . وهو أن اللّه لا يقدر عليه كما قال تعالى :« فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ».