فالآية الكريمة تذكر من آية القمر أحواله الطارئة له بالنسبة إلى الأرض وأهلها دون حاله في نفسه ودون حاله بالنسبة إلى الشمس فقط .
ومن هنا لا يبعد أن يقال في قوله تعالى :
« وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها »
أن المراد بقوله :
« تَجْرِي »
الإشارة إلى ما يعطيه ظاهر الحس من حركتها اليومية والفصلية والسنوية وهي حالها بالنسبة الينا ، وبقوله :
« لِمُسْتَقَرٍّ لَها »
حالها في نفسها وهي سكونها بالنسبة إلى سياراتها المتحركة حولها كأنه قيل : وآية لهم أن الشمس على استقرارها تجري عليهم وقد دبر العزيز العليم بذلك كينونة العالم الأرضي وحياة أهله واللّه أعلم .
قوله تعالى :
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
لفظة ينبغي تدل على الترجح ونفي ترجح الإدراك من الشمس نفي وقوعه منها ، والمراد به أن التدبير ليس مما يجري يوما ويقف آخر بل هو تدبير دائم غير مختل ولا منقوض حتى ينقضي الأجل المضروب منه تعالى لذلك .
فالمعنى أن الشمس والقمر ملازمان لما خط لهما من المسير فلا تدرك الشمس القمر حتى يختل بذلك التدبير المعمول بهما ولا الليل سابق النهار وهما متعاقبان في التدبير فيتقدم الليل النهار فيجتمع ليلتان ثم نهاران بل يتعاقبان .
ولم يتعرض لنفي إدراك القمر للشمس ولا لنفي سبق النهار الليل لأن المقام مقام بيان انحفاظ النظم الإلهي عن الاختلال والفساد فنفى إدراك ما هو أعظم وأقوى وهو الشمس لما هو أصغر وأضعف وهو القمر ، ويعلم منه حال العكس ونفى سبق الليل الذي هو افتقاده للنهار الذي هو ليله والليل مضاف اليه متأخر طبعا منه ويعلم به حال العكس .
وقوله :
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
أي كل من الشمس والقمر وغيرهما من النجوم والكواكب يجرون في مجرى خاص به كما يسبح السمكة في الماء فالفلك هو المدار الفضائي الذي يتحرك فيه الجرم العلوي ، ولا يبعد حينئذ أن يكون المراد بالكل كل من الشمس والقمر