بيان :
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
لا ريب أن في الآية نوع تمهيد بالنسبة إلى الآيتين التاليتين يتبين بها مضمونها وهي مع ذلك مستقلة في مفادها .
بيان ذلك : أن السياق يشعر بأن أعمال هؤلاء المكذبين كانت تكشف عن أنهم كانوا يتوهمون أن لهم أن يستغنوا عن اللّه سبحانه بعبادة آلهتهم وأن للّه إليهم حاجة ولذلك يدعوهم إلى نفسه بالدعوة الإلهية التي يقوم بها رسله فهناك غنى وفقر ولهم نصيب من الغنى وللّه نصيب من الفقر تعالى عن ذلك .
فرد اللّه سبحانه زعمهم ذلك بقوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ »
فقصر الفقر فيهم وقصر الغنى فيه سبحانه فكل الفقر فيهم وكل الغنى فيه سبحانه ، وإذ كان الغنى والفقر وهما الوجدان والفقدان متقابلين لا يرتفعان عن موضوعهما كان لازم القصر السابق قصر آخر وهو قصرهم في الفقر وقصره تعالى في الغنى فليس لهم إلا الفقر وليس له تعالى إلا الغنى .
فاللّه سبحانه غني بالذات له أن يذهبهم ويستغنى عنهم وهم فقراء بالذات ليس لهم أن يستغنوا عنه بغيره .
والملاك في غناه تعالى عنهم وفقرهم أنه تعالى خالقهم ومدبر أمرهم واليه الإشارة بأخذ لفظ الجلالة في بيان فقرهم وبيان غناه ، والإشارة إلى الخلق والتدبير في قوله :
« إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ »
وكذا توصيفه تعالى بالحميد وهو المحمود في فعله الذي هو