علمه تعالى بالأشياء من جميع جهاتها علما لا يطرأ عليه عزوب وزوال حتى يعيد كل من أراد ويجزيه على ما علم من أعماله خيرا أو شرا .
وقد أشير إلى أولى الأمرين في الآية الأولى التي نحن فيها وإلى الثانية في الآية الثانية وبذلك يظهر أن الآيتين تمهيد لما في الآية الثالثة والرابعة .
فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
ثناء عليه على ملكه المنبسط على كل شيء بحيث له أن يتصرف في كل شيء بما شاء وأراد .
وقوله :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
تخصيص الحمد بالآخرة لما أن الجملة الأولى تتضمن الحمد في الدنيا فإن النظام المشهود في السماوات والأرض نظام دنيوي كما يشهد به قوله تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ
( إبراهيم / 48 ) .
وقوله :
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
ختم الآية بالاسمين الكريمين للدلالة على أن تصرفه في نظام الدنيا ثم تعقيبه بنظام الآخرة مبني على الحكمة والخبرة فبحكمته عقّب الدنيا بالآخرة وإلّا لغت الخلقة وبطلت ولم يتميز المحسن من المسئ كما قال :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
- إلى أن قال -
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( ص / 28 ) ، وبخبرته يحشرهم ولا يغادر منهم أحدا ويجزي كل نفس بما كسبت .
والخبير من أسماء اللّه الحسنى مأخوذة من الخبرة وهي العلم بالجزئيات فهو أخصّ من العليم .
قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها
الولوج مقابل الخروج والعروج مقابل النزول وكأن العلم بالولوج والخروج والنزول والعروج كناية عن علمه بحركة كل متحرك وفعله واختتام الآية بقوله :
« وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ »
كأن فيه إشارة إلى أن له رحمة ثابتة ومغفرة ستصيب قوما