قال الأميني : لعلّ في الناس من يحسب أنّ سلسلة الاستهتار بمعاقرة الخمور كانت مبدوّة بيزيد بن معاوية ، وإن لم يحكم الضمير الحرّ بإنتاج أبوين صالحين في دار طنّبت بالصلاح والدين ، تخلو عن الخمور والفجور ، ولدا مستهترا مثل يزيد الطاغية المتخصّص في فنون العيث والفساد ، لكن هذه الأنباء تعلمنا أنّ هاتيك الخزاية كانت موروثة له من أبيه الماجن المشيع للفحشاء في الّذين آمنوا ، بحمل الخمور إلى حاضرته على القطار تارة ، وعلى حماره أخرى ، بملأ من الأشهاد ، ونصب أعين المسلمين ، وتوزيعها في الملأ الدينيّ ، وهو يحاول مع ذلك أن لا ينقده أحد ، ولا ينقم عليه ناقم ، وكم لهذه المحاولة من نظائر ، ينبو عنها العدد ولا تقف على حدّ ؛ فهو وما ولد سواسية في الخمر والفحشاء والمجون ، وهذه هي الّتي أسقطته عند صلحاء الامّة ، وحطّته عن أعينهم ، فلا يرون له حرمة ولا كرامة ، ولا يقيمون له وزنا .
وحذا معاوية في هذه الموبقة حذو أبيه أبي سفيان ؛ فإنّه كان يشرب الخمر وهو من أظهر آثامه وبوائقه . وقد جاء في حديث أبي مريم السلولي الخمّار بالطائف : أنّه نزل عنده وشرب وثمل ، وزنا بسمّية امّ زياد بن أبيه « 1 » .
فبيت معاوية حانوت الخمر ، ودكّة الفجور ، ودار الفحشاء والمنكر من أوّل يومه ، والخمر شعار أهله ، وما أغنتهم النذر إذ جاءت ، وهم بمجنب عن قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - لا بل هم أهله - « لعنت الخمر وشاربها ، وساقيها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وعاصرها ، ومعتصرها « 2 » ، وآكل ثمنها » « 3 » .
هامش
( 1 ) - انظر شرح ابن أبي الحديد 4 : 70 [ 16 / 187 ] ؛ العقد الفريد 3 : 3 [ 5 / 5 ] .
( 2 ) - [ « عاصر العنب » : هو من يعصرها بنفسه لنفسه أو لغيره . « معتصر العنب » : هو من يطلب عصرها لنفسه أو لغيره ] .
( 3 ) - سنن أبي داود 2 : 161 [ 3 / 326 ، ح 3674 ] ؛ سنن ابن ماجة 2 : 174 [ 2 / 1122 ، ح 3380 و 3381 ] ؛ جامع الترمذي 1 : 167 [ 3 / 589 ، ح 1295 ] .