34 . عدّةٌ من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن عُبيد الله الدهقان ، عن أحمدَ بن عمر
الحلبيّ ، عن يحيى بن عمران ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " كانَ أميرُ المؤمنين ( عليه السلام ) يقول :
بالعقل استُخْرِجَ غورُ الحكمة ، وبالحكمة استُخْرِجَ غورُ العقل ، وبحُسْن السياسةِ يكون
الأدبُ الصالح . قال : وكان يقول : التفكّرُ حَياةُ قلب البصير ، كما يَمشي الماشي في الظلمات
شرح
إنّ العبد يرفع رغبته ) أي مرغوبه ومراده من حوائجه إلى مخلوق ؛ لقلّة عقله واعتقاده
أنّ الحصول لا يكون إلاّ بالرفع إليه ، فيعظمه ويتذلّل له ويتّخذه ربّاً معطياً ، ولو كان
عاقلا كاملَ العقل يعرف أنّ في إخلاص النيّة لله والرفع إليه دون غيره سرعةَ
الوصول إلى المطلوب ( فلو أخلص نيّته لله لأتاه ) أي جاءه . وفي بعض النسخ
" لآتاه " من باب الإفعال ، أي أعطاه الذي يريده ( في أسرعَ من ذلك ) أي من
الحصول بعد رفع الحاجة إلى المخلوق .
قوله : ( بالعقل استُخرج ( 1 ) غور الحكمة ) أي قعرُ الحكمة ، والبالغُ منها نهايةَ
الخَفاء . والحكمةُ العلوم الحقّة والمعارف اليقينيّة التي يدركها العقل ، فالوصول إلى
أخفاها وحقيقةِ بواطنها بالعقل .
( وبالحكمة استُخرج غور العقل ) أي نهاية ما في قوّته من الوصول إلى العلوم
والمعارف ؛ فإنّه بالعلم والمعرفة يُعرف نهاية مرتبة العقل ، أو يَظهر نهاية مرتبته ،
ويُبلغ كمالُه .
( وبحسن السياسة يكون الأدب الصالح ) أي بحسن الأمر والنهي ، أو بحسن
التأديب يحصل الأدب الصالح .
قوله : ( وكان يقول : التفكّر حياة قلب البصير ) أي قلبُ البصير الفَهِم يصير حيّاً
هامش
1 . في حاشية " م " : قوله : " استخرج " إمّا ماض مجهول ، أو المضارع المتكلّم ، أو فعل الأمر . كذا قيل .
قوله : " بالعقل استخرج " يعني أنّ كلاًّ من العقل والفهم يقوّي الآخر شيئاً فشيئاً حتّى يبلغ كلّ منهما أعلى مراتبه ،
فإذا تأمّل ضعيف تأمّلا صادقاً في واضح الدليل ، حدث له بذلك في فهمه قوّة يتمكّن بها من التأمّل الصادق في
أدقّ من الأوّل وهكذا . ويمكن أن يجعل كلّ مرتبة لاحقة من العقل والحكمة غوراً بالنسبة إلى سابقتها .