تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاشية على أصول الكافي — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
عن عمرو بن محمّد ، عن عيسى بن يونس ، قالَ : قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله ( عليه السلام ) في بعض ما كان يُحاوِرُهُ : ذكرتَ الله فأحَلْتَ على غائب ، فقال أبو عبد الله : " ويلك ، كيف يكون غائباً مَن هو مع خَلْقِه شاهدٌ ، وإليهم أقربُ من حَبْلِ الوريدِ ، يَسمَعُ كلامَهم ، ويَرى أشخاصَهم ، ويَعلَمُ أسرارَهم ؟ " . فقال ابن أبي العوجاء : أهو في كلّ مكان ، أليس إذا كان في السماء كيف يكونُ في الأرض ؟ وإذا كان في الأرض كيف يكونُ في السماء ؟ فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " إنّما وَصَفْتَ المخلوقَ الّذي إذا انتقلَ عن مكان اشتغلَ به مكانٌ وخَلا منه مكانٌ ، فلا يَدرِي في المكان الّذي صارَ إليه ما يَحدُثُ في المكان الّذي كانَ فيه ، فأمّا اللهُ العظيمُ الشأنِ المَلِكُ الديّانُ ، فلا يَخْلُو منه مكانٌ ، ولا يَشتَغِلُ به مكانٌ ، ولا يكونُ إلى مكان أقربَ منه إلى مكان " .
شرح
قوله : ( كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهدٌ ، وإليهم أقربُ من حبل الوريد ) أي الحضور والغيبة باعتبار الشهود وعدم البُعد والحجاب ومقابلهما ، فمن هو عالم بالأشياء - ظواهرِها وبواطنها - أحقُّ بالحضور وعدم الغيبة ممّا هو مجاور ، أو مقارن ، أو ملامس من الأجسام ، فقال ابن أبي العوجا : إذا كان حاضراً في السماء كيف يكون حاضراً في الأرض ؟ ! وإذا كان حاضراً في الأرض كيف يكون حاضراً في السماء ؟ ! فلا يكون حاضراً في كلّ مكان . فأجابه ( عليه السلام ) بأنّ المُحال من ذلك إنّما هو في صفة المخلوق الجسماني الذي إذا انتقل عن مكان ولم يكن فيه كونَ المتمكّنِ في المكان ، اشتغل به مكان آخَرُ ، وخلا عنه المكان الأوّل ، فلا يكون حاضراً فيه ، ولا يدري ما حدث في المكان الذي كان فيه ؟ فأمّا الله سبحانه العظيمُ الشأن الملكُ الديّان ، فهو أعظمُ شأناً من أن يتّصف بالتمكّن في مكان ، فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ؛ لأنّ الخلوّ والاشتغال بالنسبة إلى المكان إنّما يصحّ على ما يصحّ عليه التمكّن ، وكذا القرب والبُعد المكانيّين ، ولعلّه بعظمته وملكه أشار إلى وجوبه الذاتي وعدم مشاركته لشئ من الممكنات ، وهو مناط الحكم بعدم جواز التمكّن عليه ، والاختلافِ بالقرب والبعد المكاني بالنسبة إلى ما سواه .
الحاشية على أصول الكافي — صفحة 420 | محمد بن حيدر النائيني / محمد حسين الدرايتي