عن عمرو بن محمّد ، عن عيسى بن يونس ، قالَ : قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد الله ( عليه السلام ) في
بعض ما كان يُحاوِرُهُ : ذكرتَ الله فأحَلْتَ على غائب ، فقال أبو عبد الله : " ويلك ، كيف يكون
غائباً مَن هو مع خَلْقِه شاهدٌ ، وإليهم أقربُ من حَبْلِ الوريدِ ، يَسمَعُ كلامَهم ، ويَرى
أشخاصَهم ، ويَعلَمُ أسرارَهم ؟ " .
فقال ابن أبي العوجاء : أهو في كلّ مكان ، أليس إذا كان في السماء كيف يكونُ في
الأرض ؟ وإذا كان في الأرض كيف يكونُ في السماء ؟ فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " إنّما وَصَفْتَ
المخلوقَ الّذي إذا انتقلَ عن مكان اشتغلَ به مكانٌ وخَلا منه مكانٌ ، فلا يَدرِي في المكان
الّذي صارَ إليه ما يَحدُثُ في المكان الّذي كانَ فيه ، فأمّا اللهُ العظيمُ الشأنِ المَلِكُ الديّانُ ،
فلا يَخْلُو منه مكانٌ ، ولا يَشتَغِلُ به مكانٌ ، ولا يكونُ إلى مكان أقربَ منه إلى مكان " .
شرح
قوله : ( كيف يكون غائباً من هو مع خلقه شاهدٌ ، وإليهم أقربُ من حبل الوريد )
أي الحضور والغيبة باعتبار الشهود وعدم البُعد والحجاب ومقابلهما ، فمن هو عالم
بالأشياء - ظواهرِها وبواطنها - أحقُّ بالحضور وعدم الغيبة ممّا هو مجاور ، أو مقارن ،
أو ملامس من الأجسام ، فقال ابن أبي العوجا : إذا كان حاضراً في السماء كيف يكون
حاضراً في الأرض ؟ ! وإذا كان حاضراً في الأرض كيف يكون حاضراً في
السماء ؟ ! فلا يكون حاضراً في كلّ مكان .
فأجابه ( عليه السلام ) بأنّ المُحال من ذلك إنّما هو في صفة المخلوق الجسماني الذي إذا
انتقل عن مكان ولم يكن فيه كونَ المتمكّنِ في المكان ، اشتغل به مكان آخَرُ ، وخلا
عنه المكان الأوّل ، فلا يكون حاضراً فيه ، ولا يدري ما حدث في المكان الذي كان
فيه ؟ فأمّا الله سبحانه العظيمُ الشأن الملكُ الديّان ، فهو أعظمُ شأناً من أن يتّصف
بالتمكّن في مكان ، فلا يخلو منه مكان ، ولا يشتغل به مكان ؛ لأنّ الخلوّ والاشتغال
بالنسبة إلى المكان إنّما يصحّ على ما يصحّ عليه التمكّن ، وكذا القرب والبُعد
المكانيّين ، ولعلّه بعظمته وملكه أشار إلى وجوبه الذاتي وعدم مشاركته لشئ من
الممكنات ، وهو مناط الحكم بعدم جواز التمكّن عليه ، والاختلافِ بالقرب والبعد
المكاني بالنسبة إلى ما سواه .