فهذا هو المعنى الصحيح في تأويل الصمد ، لا ما ذهَب إليه المشبِّهةُ : أنّ تأويلَ
الصمد : المُصْمَتُ الّذي لا جوفَ له ؛ لأنّ ذلك لا يكونُ إلاّ من صفة الجسم ، واللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ
متعال عن ذلك ، هو أعظمُ وأجَلُّ من أن تَقَعَ الأوهامُ على صفته ، أو تُدرِكَ كُنْهَ
عظمته ، ولو كانَ تأويلُ الصمد في صفة الله - عزّ وجلّ - المصمَتَ ، لكانَ مخالفاً لقوله
عزّ وجلّ : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ ) لأنَّ ذلك من صفة الأجسام المصمَتَةِ الّتي لا أجوافَ
لها ، مثل الحَجَرِ والحديدِ وسائر الأشياء المصْمَتَةِ الّتي لا أجوافَ لها ، تعالى الله عن
ذلك عُلُوّاً كبيراً .
فأمّا ما جاء في الأخبار من ذلك ، فالعالِمُ ( عليه السلام ) أعلمُ بما قالَ ، وهذا الّذي قال ( عليه السلام ) أنَّ الصمدَ
هو السيّدُ المصمودُ إليه هو معنىً صحيحٌ موافقٌ لقول الله عزّ وجلّ : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ )
والمصمودُ إليه : المقصودُ في اللغة ، قال أبو طالب في بعض ما كان يَمْدَحُ به النبيَّ ( صلى الله عليه وآله ) من
شعره :
وبالجَمْرةِ القُصوى إذا صَمَدوا لَها * يَؤُمُّونَ قَذْفاً رأسَها بالجَنادِلِ
يعني قصدوا نحوها يَرمُونَها بالجنادل ، يعني الحَصا الصغارَ الّتي تُسَمّى بالجمار .
وقال بعض شعراء الجاهليّة شِعْراً :
ما كنتُ أحسَبُ أنّ بيتاً ظاهراً * لله في أكنافِ مكّةَ يُصْمَدُ
يعني يُقْصَدُ .
وقال ابن الزِّبْرِقانِ : وَلا رَهِيبَةَ إلاّ سيّدٌ صَمَدٌ
وقال شَدّادُ بنُ معاويةَ في حُذَيفَةَ بنِ بَدْر :
عَلَوْتُه بحُسام ثُمّ قلتُ لَه * خُذْها حُذَيْفُ فأنتَ السيّدُ الصمدُ
ومثل هذا كثير ، والله - عزّ وجلّ - هو السيّدُ الصَمَدُ الّذي جميعُ الخلق من الجِنّ والإنس
إليه يَصْمُدونَ في الحوائج ، وإليه يَلجَأونَ عند الشدائد ، ومنه يَرْجُونَ الرخاءَ ودوام النَّعْماء ،
لِيَدفَعَ عنهم الشدائدَ .
الحاشية على أصول الكافي — صفحة 416
مساهمون: محمد بن حيدر النائيني
ص٤١٦