يَحتاجُ إلى بَعْثة الرسل بالكتب والآداب ، وكانوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم ، ومنزلةِ
أهل الضرر والزمانة ، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفةَ عَيْن ، فلمّا لم يَجُزْ بقاؤُهم إلاّ بالأدب
والتعليم ، وجَب أنّه لا بُدَّ لكلّ صحيح الخِلْقة ، كاملِ الآلة من مؤدِّب ودليل ومشير ، وآمِر
وناه ، وأدب وتعليم ، وسؤال ومسألة .
فأحقّ ما اقْتَبَسَه العاقلُ ، وَالْتَمَسَه المتدبِّرُ الفطنُ ، وسعى له الموفَّقُ المصيبُ ، العلمُ
بالدين ، ومعرفةُ ما استعبدَ اللهُ به خَلْقَه من توحيده ، وشرائعِه وأحكامِه ، وأمرِه ونهيه ،
وزواجِرِه وآدابِه ؛ إذ كانت الحجّةُ ثابتةً ، والتكليفُ لازماً ، والعمرُ يسيراً ، والتسويفُ غيرَ
مقبول . والشرطُ مِن الله - جلّ ذكره - فيما استعبد به خلقَه أن يُؤدّوا جميعَ فرائضه بعلم
ويقين وبصيرة ، ليكونَ المؤدِّي لها محموداً عند ربِّه ، مُستوجِباً لثوابهِ وعظيمِ جزائه ؛ لأنّ
الذي يُؤدّي بغير علم وبصيرة ، لا يَدري ما يُؤدّي ، ولا يَدري إلى من يُؤدّي ، وإذا كان جاهلاً
لم يكن على ثقة ممّا أدَّى ، ولا مصدّقاً ؛ لأنَّ المصدِّقَ لا يكونُ مصدِّقاً حتّى يكونَ عارفاً بما
صدَّقَ به من غير شكّ ولا شُبْهة ؛ لأنّ الشاكَّ لا يكونُ له من الرغبة والرهبة والخضوع
والتقرُّب مثلُ ما يكونُ من العالم المستيقِن ، وقد قالَ الله عزَّ وجلَّ : ( إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ ) فصارت الشهادةُ مقبولةً لِعِلّةِ العلمِ بالشهادة ، ولولا العلمُ بالشهادة ، لم تكن
الشهادة مقبولةً .
والأمرُ في الشاكّ - المؤدّي بغير علم وبصيرة - إلى الله جلَّ ذكره ، إن شاءَ تطوّلَ عليه
فقَبِلَ عملَه ، وإن شاء رَدَّ عليه ؛ لأنّ الشرطَ عليه من الله أن يُؤدِّيَ المفروضَ بعلم وبصيرة
ويقين ؛ كي لا يكونوا ممّن وَصَفَه الله ، فقالَ تبارك وتعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى
حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ
شرح
قوله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف ) ( 1 ) أي على وجه واحد كأن يعبده على
السرّاء لا الضرّاء ، أو على شكّ ، أو على غير طمأنينة .
والحاصل : أنّه لا يدخل في الدين متمكّناً مستقرّاً .
هامش
1 . الحجّ ( 22 ) : 11 .