في زمن الغيبة الكبرى يوفّق الله تعالى بعض الرعيّة بفهم الأحاديث المسطورة في
الأُصول الممهّدة في زمن حضور الأئمّة ( عليهم السلام ) ليعمل الشيعة بها إلى قيام القائم ( عليه السلام )
ويمهّد له أسباب تحصيل العلم بجميع ما يحتاج إليه الشيعة في أعمالهم ولو بحديث
وارد من باب التقيّة أو دالّ على رعاية الاحتياط على كيفية مخصوصة * . والّذي ظهر
شرح
* الّذي يلزم من كلامه هذا انّ التوفيق المذكور انقطع مدّة طويلة إلى زمانه ، لأنّ من تقدّم
إلى عصر المرتضى والمفيد وبعض من تقدّمهما أيضاً وإن كانوا أصابوا في بعض الموادّ فقد
أخطأوا في غيرها ، لأنّهم لم يفهموا حقيقة تلك الأحاديث المسطورة في الأُصول الممهّدة ، ولم
يعلموا بجميع ما فيها ، ولم يتحقّق حصول هذا التوفيق تامّاً إلاّ في زمانه بوجوده واتّساع فهمه
وعلومه . ومع هذا فالشخص الّذي يوفّق الله به لهذه الغاية لا يتيسّر له فهم الأحاديث والعلم
بصحّتها ومضمونها إلاّ أن كان فوق مرتبة الاجتهاد ، والمصنّف يمنع من الحاجة إلى الاجتهاد . ولم
يظهر لنا وجه الجمع عنده بين هذين الأمرين المتنافيين .
وكلامه هنا وفيما يأتي : أنّه يجب كفاية على أهل القدرة من كلّ قطر إذا احتاجوا إلى كلّ
مسألة أن يُنفروا بعض الرعيّة الّذي وفّقه الله لفهم الأحاديث لأخذها أو يعرضوها عليه ليجيئهم
بجوابها من عنده . إن كان مراده أنّ الّذي يأتي إليه يقلّده في كلّ ما يخبره به سواء أفاد العلم
للمستخبر أو الظنّ ويجتزي به ، فهذا عين التقليد الّذي منعه ورجع إلى التعويل على الظنّ . وإن
كان مراده أنّ كلّ مستفهم يحصل له العلم والجزم والقطع بمضمون الحديث وصحّته بمجرّد إخبار
ذلك الشخص الّذي تأهّل للسؤال والرجوع إليه ويخرج بذلك عن صفة التقليد ، فربما مع تحقّق
العصمة للمسؤول يحصل الشكّ في حصول العلم للسائل ، لاحتمال خطائه في الفهم ، فكيف مع
احتمال الخطأ والنسيان والعوارض المحتملة في خطأ المخبر فضلا عن المستخبر ؟ وإذا اقتصر
المخبر على ما يعلمه ويتيقّنه من مدلول الحديث وفي كلّ مسألة لم يجد فيها نصّاً صريحاً يفيد
العلم بها يتوقّف ويبقى حكمها على الجهالة ولا يتصرّف فيها بالاستنباط تصرّفَ المجتهد إذا كان
له سبيل إلى تحصيل الظنّ الراجح الموافق لأُصول الشريعة ، يلزم من ذلك حيرة الناس وتعطيل
الشرائع ونقصها عن حاجة الشيعة ، والمصنّف يقول ويقطع بأنّها وافية بعلم جميع الأحكام بالجزم
والقطع . وعلى كلّ حال لوازم الخلل والفساد في هذا الاعتقاد لا يخفى على النقّاد بل على أدنى
من يكون من ذوي العقل والرشاد .